على طاولتنا المعتادة في المقهي القديم ، بنفس الركن الذى يجمع شلتنا دوما , كنا مجموعة من الشباب حديثي التخرج ، بعضنا يعمل حديثا ، والآخرون مازالون في مرحلة البحث عن عمل .
جلست أنا وعلي فقط ، كعادتنا في الآونة الأخيرة ، إعتذر الباقين عن الحضور ، ولهم اعذار مختلفة في كل مرة ، هذه المرة أنهم سيشاهدون المباراة بالملعب ، صوت ام كلثوم ينساب إلينا من الراديو العتيق المعلق بأقصى القهوة من الداخل ، ومع صوت جلبة الزبائن ، خاصة لاعبى الطاولة والدومينو ، وبصوته الجهوري يعلوالجميع ، وضع النادل صينية الشاى وأرجيلة على كالمعتاد .
فاجئنى على بصوت هامس يقول لى :
– عندي شيء مهم جدا أريد أن أقوله لك .
– قل يا صديقي ، ولايهمك ، كلي آذان صاغية.
رددت عليه ممازحا ، فاستطرد يقول :
– عندي حلم يلازمني منذ مدة طويلة ، ولا تفسيرله ، أحس أنه سيخنقني.
إشرأب عنقي ومططت شفتاى ونظرت له مستغربا ، نظراتى معلقة بحركة عينيه ، بدأ علي في رواية حلمه العجيب.
– أحلم دوما أنني في غفوة طويلة جدا ، وليس لدي يقين كم استمرت ، أو حتى متى بدأت ، أوأين تحدث .
صحوت من غفوتي لأجد نفسي في مكان غريب ، فوضى فظيعة ، لا ضابط ولا رابط ، معاملة قاسية جدا ، بشر تتصرف كما يحلوا لها ، العقل في أجازة فيما يبدو ، كل ما اذكره كنت خائفا منهم جدا.
أخيرا وجدت شخص سمته مختلف ، يرتدي بالطو أبيض ، سألته : أين أنا ؟
رد علي في هدوء يغيظ :
– حالتك كانت صعبة جدا ، وقد أوصى الطبيب الذي عادك بالمنزل بحضورك هنا ، وقد هاتفتنا زوجتك ، وأحضرناك وأنت على هذه الحال منذ يومين.
قلت له متوسلا :
– الله يخليك اشرح لي حالتي بالتفصيل .
قال الطبيب في صوت هادئ :
– حالتك كانت سيئة جدا ، كنت تعاني من هلاوس وتشجنات تستدعى نقلك للمستشفي بأسرع وقت.
شعرت بكثير من الراحة حينما بدأ يشرح الحالة :
– فهمت من خلال كلامك الذي سمعناه ، و شهادة الطبيب الذي حولك لنا ، مع شهادة زوجتك وأولادك أنك تعاني وجود عقدة ذنب .
عطل إحساسك بالذنب عقلك الظاهر ، فتوقف عن التفكير ، وسيطر العقل الباطن ، فتصرف كشاب طائش ، كانت نتيجته حركات هيستيريه ، كلام غريب يتساقط من فمك كسيل من زبد البحر .
لم أعد أذكر شيئا مما حدث ، صدمتي كانت في شهادة زوجتي وأولادي والدكتور، أقنعت نفسي أنهم يقولون الحقيقة .
لن أنسى الرعب الذي ركبني ، شرع الطبيب بوجهي حقنة ضخمة ، تشجعت ناهرا جبني ، نمت بعمق رغم ألم الحقنة.
أفقت صباحا متناسيا كل شيء ، ومازلت بالحلم طبعا .
أومأت له بأني فاهم.
أكمل علي الحلم قائلا :
– صحوت مبكرا ، الجو لطيف وهادئ ، لا أثر لفوضى الأمس ، ولا ما يفسد الذاكرة ، الكل بالمستشفي نيام ، إلا أنا ، وبعض الممرضين والطبيب .
الجو مهيأ تماما لعودة الذاكرة ، بدأت تتضح الصورة ، الأحداث تتوالى أمامي ، كأنني أشاهد مسلسل أو فيلم .
عشت طفولة سعيدة وجميلة جدا ، أتمتع بثقة أهلي جميعا ، أصدقائي يثقون في شخصي جدا ، لم يؤرق حياتي إلا مشكلة غريبة ، لا أثق بنفسى ولا بالآخرين ، ولست أدري كيف حدث هذا التناقض .
دائم الشك بالناس كلها ، تكثر بداخلي الأسئلة إذا قال لى أحدهم سر عن نفسه ، أشك بسبب إختياره لي ليضع سره .
تأكلني الحيرة إذا تحدث معي صديق عن آخر، تتنازعني رغبتان ، فضيلة حفظ السر، والرغبة الجامحة في إخبار الاخر عما حدث .
يحدث هذا تلقائيا ، وأجدني أبرر لنفسي ، من الشجاعة أن يتواجها ، وأظل أخايل نفسي ، والنتيجة خصام وقطيعة بينهما ، وتتكرر الحكاية وأنا دوما السبب .
غامض أنا ، فلا أحد يعرف حقيقتي ، يساورني قلق وأتسائل : ماذا حينما ينكشف المستور؟ .
تتجسد الإجابة في إحتقار رهيب ، فعزلة ومهانة ، ناهيك عن عقاب أهلي .
لكني لم أتيقن لماذا أشك بالجميع ؟ وقبله لماذا اشك بنفسي لهذه الدرجه ؟ .
تعكس مرآتي بؤس نفسي فكرهتها ، تظهرني كشيطان يلبس إنسانا ، فهل أنا ممسوس ؟
ما هذا الغرور ؟ أؤنب نفسي في كل مرة أنظر لي ، لماذا كل هذا الحقد والغل ، لماذا أنا شرير لهذه الدرجة ؟ من أين أتيت بكل هذه الأمراض ؟
– طاردني هذا الحلم منذ طفولتي ، لم أعره إهتماما في بادئ الأمر ، كدت أجن لشعوري الدائم بأنني خائن ، نعم أحس بالخيانة لمن يأتمنني على سره .
أعاني هلاوس في نومي وفي صحوي ، مهددة رأسي بالإنفجار بأية لحظة ، كأنما محاطة طوق حديدي ساخن ، أختنق بكم ضغوط لا قبل لي بها .
خابت حكمة ترددها أمي ، إللي تخاف منه ميجيش أحسن منه ، فقد جاءت اللحظة التي أخشاها ، وبدأ الناس تبادلني شكا بشك ، يتعاملون بحذر فلا كلام ولا أسرار ، ولا ثقة ، كأنهم عرفوا الحقيقه.
وقعت في ورطة ، بل كارثة كبيرة ، كان وقعها علي مدمرا ، أنظر لنفسي كصورة مزيفه من لشخص آخر لا أعرفه ، أنا لست أنا ، أنا هذا الآخر .
– أدركت حجم الخطر ، كانت المصيبة في وجود هذا الغول بداخلي ، لم أستطع خداع نفسي طويلا ، يمكنك خداع الجميع ولكن لن يدوم ذلك طويلا ، لكن كل مخبوء سيظهر عاجلا أو آجلا .
وقتها الفضيحة ستكون بجلاجل يا حبيبي ، حاولت الهرب ولم أفلح ، فأين الهروب مني ، لابد من مواجهة .
صراع يحتدم بداخلي ، تقريبا على مدار الساعة ، لذا لم أحتملها ، خارت قواى ، حدث ما هو حتمي ، إنهيار عصبي ، انتهى بسرير في مستشفى .
تخلصت من أحاسيسي ، يسمعنى الطبيب باهتمام صامت ، ثم أمر بحقنه ثانية ، صحوت من النوم فزعا من صرختي ، أعاني ألما كأنها عشر حقن مرة واحدة .
قلت ممازحا بضحكه سخيفه جدا.
– أحلم هذا أم فيلم يا صديقي ؟
مسلسل طويل جدا ، أكيد حلمته على حلقات ، الحلم لايستغرق أكثر من دقيقتين ، وأنت تحلم سنتين ، أخشى يا علي أن تكون هذه حقيقتك فعلا !
توقفت دمعة بعيني علي ، فأنهيت بسرعة منظومة سخرية تحكمت بفكري ، وقال علي في لهجة منكسرة :
– حرام عليك يا صاحبي ، أفضفض معك لتخفف عني ، أنا متعب وأعاني من هذه الكوابيس .
تفسير الأحلام لم يكن من هواياتي ، ولم أجد بمخيلتى تفسير ولو بسيط ، حاولت التفلسف قدر ما تسعفني الحكمة ، وأخيرا اجتهدت وقلت له:
– أخشى أنك ستغضب من تفسيري ، فلو كان ما أفكر به صحيحا ، ستكون مصيبة كبرى يا علي ، بل ستتسبب في قطيعه بيني وبينك .
وأعتقد أنها ستطالنا جميعا ، ألا تلاحظ أن باقي الشلة يتعذرون عن اللقاء حينما يعلمون أنك موجود ؟ .
معذرة يا صديقي ، الفكرة تلح على عقلي باستمرار، حاولت تحاشي هذا الربط ، كنت أتجاهله مضطرا ، وجاهدت عقلي ليتناسى هذه الافكار .
عقدت الدهشة لسانه فارتبك ، تحول وجهه الأبيض لفطيرة ساخنة في عز البرد .
وكأنه ماسورة انفجرت من الضغط ، تحدث بلا توقف ، حاول نفي التهمة عنه ، كان يحاول باستماتة التملص من إحساسه بالخيبة لأنى أشك به .
ضاعت محاولاته هباءا ، فقد بدأت أربطه بالاحداث الماضية ، الخلافات عرفت الطريق لشلتنا ، خصوصا كلما تجمعنا .
تبدأ الجلسة بالعتاب ، وتنتهي بخصام وتقل الشله واحدا ، و بقيت أنا وهو فقط .
غباء ألا أفهم أن علي له يد في ذلك ، يمكن حسن النيه ، وأيضا لأنى لا أضع عنده أسراري .
طال صمتي في محاولات طرد هذه الهواجس ، فقدت رغبتي في مواجهته بذلك ، بينما ألح هو في الكمالة .
إمتشقت سيفي السليط ، ضغطت الحروف قائلا :
– فلنتفق أولا ألا تغضب من صراحتي .
هز رأسه مرتين علامة الموافقة .
– تذكر أكيد فترة الجامعة ، كنا معا غالب الوقت ، ومن البداية بدوت غريبا ، لانعرف عنك كثيرا ، ورغم تصرفاتك ارتضينا صداقتك ، شغلتنا الدراسة ، وتركز اهتمامنا بعلاقتنا داخل الجامعة فقط .
ألقت الخلافات بظلالها على حواراتنا خارج الجامعة ، وانتهينا بتجنبهم لوجودك ، حاولوا لفت نظرك كثيرا لألا يجرحوا مشاعرك .
أنا أكيد من حبهم لك ، لكنهم يرفضون مسلكك ، محاولاتك أن تبدو شاطرا وفاهما طوال الوقت لاقيمة لها بين الأصحاب .
هل تحاول أن تخدعتنا ؟ وهل كل ما قلته تعبيرعن احساسك بالذنب ؟
اندهش علي وقام منتفضا ، ثم جلس صامتا ، حاولت إكمال حديثى فلم أجد رغبة ، حقارة الفعل وإحجامي عن إهانته منعاني من المواصلة .
بدونا كتمثالين متنافرين ، كل ينظر بعيدا جدا ، ثبتت اللقطة عشر دقائق أو اكثر ، لم يستطع علي النظر إلى ، وأنا بدوري تحاشيت نظرة ذل في عينيه .
غادر ولم ينطق بحرف ، قام وركب سيارته ، وسرت على قدمي لبيتنا القريب من المقهى .
استرجعت في الطريق أحلام علي ، أضحك مرة وأستغرب مرارا ، أخشى أن يكون حقيقة وليس حلما ، أسخر من كل شيء وأدخل البيت مبتسما .
لم أكد أخلع ملابسي حتى رن الهاتف .
كان علي من قسم البوليس .
– الحقنى يا أخي ، أنا في قسم … ، وأغلق الخط من الطرف الثاني .
– ضبطه الكمين بالطريق ، ماشي من غير أوراق رسمية ، مفيش ما يثبت شخصيته ، ولا حتى مستندات للسياره .
قالها امين الشرطة بالقسم وأشار بالجلوس .
بعد ساعة ، وأمام ضابط القسم وقفنا ، أنا وعلي نوقع على المحضر ، أنا كضامن له وهو مشتبه به .
قلت له ممازحا :
– لقد تحقق حلمك يا جميل ، وها أنت متهم حقيقة الآن .
صرخ في وجهي مزمجرا
– هي ناقصاك انت كمان ، مش كفايه اللي حصلي النهارده .
ركبنا السيارة ، يقهقه على بصوت عال ، وأنا مندهش من ضحكه.
– المحفظة ، وقعت في دواسة السيارة ، محظوظ أنا أكيد ، شفت وش مين النهارده ؟.
نظر لى بغيظ ، ثم انفجرنا في ضحك هيستيري .
- أحلام مش لذيذة
- التعليقات