انا غير منظم .. فوضوي .. لا أحب الروتين .. ولا الرتابة.. اجمع المتناقضات بداخلي ..غير نمطي .. موسوس ..غريب الأطوار .. لدرجة الأشمئزاز .. اعترف ولا اخجل .. أحب الحرية والانطلاق .. والسفر لمسافات بعيدة .. وابحث عن الجمال أنّ وجد .. عرفت من النساء الكثير .. وأحببت منهنّ الكثير .. بعدد شعر الرأس .. ولكن للأسف الشديد كان حباً أعرج .. حب من طرف واحد.. حب دائماً محكوم عليه بالفشل .. ولا ادري لماذا ..؟.. ربما لشكلي الغيرجميل .. أو ربما اني غير وسيم ..؟. أو ربما لاني كنت خجولاً زيادة عن الازم .. لا أذكر مرة واحدة .. ان هناك فتاة من الاتي عرفتهن علي مدار حياتي .. احبتني بجد اطلاقاً البته .. فأنا الذي كنت احبهن وأعشقهن .. وأكتب لهن الخطابات .. وارصعها بأبيات من عيون الشعر .. وكنت اكتب لأصدقائي ايضاً .. كلمات الحب والغرام .. ليرسلوها لفتياتهم التي عشقنهن ويهيمن يحبهن .. واحياناً كنت اكتب جواباتي الغرامية .. واضعها في الدرج .. أحبسها حتى لا يراها احد ..
اذكر ..” وأنا في سن المراهقة كنت خجولاً جداً.. وكنت لا استطيع ان انظر في عين أي فتاة .. فضلاً عن ان اكلمها.. لدرجة ان الفتيات كن يسخرن مني .. ويهزأنّ بي اذكر …” احببت فتاة جاءة من الريف .. لتكمل تعليمها في البندر .. وشاءت الاقدار ان تسكن في البيت المتاخم لنا .. فكانت تنظر الي في الذهاب والجيئة .. وتضحك .. فكنت أرتبك .. انتفض .. وأن صادف ان كنت في طريقها .. ابعد عن الطريق .. واسلك طريقاً أخر.. وافرد نفسي, وامد الخطي.. وقدماي تنتفض وتخبط في بعضها وعينايا علي الارض .. وبداخلي شعور اكيد أن الناس .. كل الناس تنظر .. بل الدنيا كلها تراقبني .. تتابع حركاتي .. سكناتي .. ومشيتي .. حتى تطور الامر الي انها حاولت ان تكلمني .. ويا ليلة ما طلع لها شمس .. ويا نهار ……”
أذكر … ” حدث معي يوماً ما .. وكانت الدنيا غائمة .. كنت فوق الدار .. اذاكر .. أو ربما كنت جالس في لحظة تأمل .. أو ربما شيئاً أخر , لا اذكر بالضبط ما هو .. كان الجدار الفاصل بيننا .. عبارة عن طين واعواد البوص .. سمعت .. صوت ..
” بسبسات ” يعقبها اسمي بصوت خافت .. التفت .. لقيتها هي .. واقفة بفستانها الأحمر الزاهي .. وكانت تلك المرة الأولي .. التي اراها بثياب مختلف عن زي المدرسة .. وقد حلت شعرها الأسمرالطويل .. وكشفت عن زراعيها .. وعن رقبتها البيضاء .. اشارت الي بيدها أن أقبل .. فشعرت بقلبي يكاد يقفذ من صدري .. وقد ازدادت دقاته فجأة .. لا ادري لماذا.. ربما من الخوف .. أو ربما من الحب.. أو ربما لاني لم يحدث معي , ان كلمت فتاة قبل هذا .. حينها وقعت في حيص بيص .. عدلت من جلستي ..انتبهت اكثر .. وعرقي صار شلالات .. وهي لم تزل تبسبس .. تضحك وتشير ليّ .. وانا لم اقم من مقامي .. ولو نطق ابو الهول لنطقت.. ولو تحرك الجبل من مكانه لتحركت .. فقط نظرت اليها .. وقد اصابني البهت .. والخرس وهي واقفة تناديني بصوت خافت .. وتشير الي بيدهها البضّة .. وانا جالس مكاني .. ساعة من الزمان او يزيد .. حتى امطرت السماء فجأة .. وكان المطر غزيراً لدرجة ان شعرها ابتل .. تشبع من الماء .. فكانت تجمعه بين يديها .. البيضاء كالعاج وتعصره .. كما لو انها تعصر قطعة من القماش الحرير.. وراحت تلهو .. وتلعب مع المطر.. وكأنها طفلة صغير ..غنت .. رقصت علي صوت موسيقي منبعثة من جهاز قريب .. تحرك قلبي لها ..ولأول مرة أحب.. لكني كنت خجولاً جداً .. شعرت بالسعادة ترفرف .. في جنبات الكون الفسيح ..وانا ارفرف معها كالطير الذي عاد إلي عشه .. وبدأت أشعر بأحساس غريب.. ولأول مرة في حياتي .. يدخلني هذا الأحساس الجميل .. الرائع ”
نظرت في ساعة معصمي .. كانت تشير الى العاشرة مساء ..والقطار ينساب سريعا ليشق ظلام الليل .. وأم الفتاة لم تفتأ تثرثر مع صديقي .. بصوت غير واضح .. أما الفتاة التي ركبت معي القطار .. فكانت تنظر من النافذة الزجاجية .. وقد بدأ عليها الشرود فجأة .. وحالة من السرحان الشديد .. ربما كانت تفكر فى أمر ما .. تمنيت للحظة.. لوانها كانت تفكر فيّ ..
ــ” لو أدخل رأسها ..؟.. لو أستطيع ان أعرف ما في رأسك ..؟ “..
أحساس مرضي بالطبع .. كثيرا ما ينتابني هذا الإحساس.. كلما تعرفت علي فتاة ..
صديقي لا يزال يضحك مع أم الفتاة .. وامرأة أخيها مندمجة .. في الحديث مع بعض الشباب .. في الكرسي المجاور .. والفتاة مازالت في شرود ..
وأنا تستدعيني الذكريات مع تلك الفتاة الجميلة .. التي كانت تسكن بجوار بيتنا .. والتي قصصت قصتها لصديقي .. ذات يوم وعربة المشروع تضرب قلب الصحراء الممتدة .. وتسير بين التلال , والكثبان الرملية .. وفوق رؤؤسنا الجبال تطل علينا بعبق الماضي السحيق .. شامخة وأبية.. وكان القمر مكتمل فوقنا .. يومها تجازينا أطراف الحديث .. تسامرنا .. تكلمنا في كل شيء .. وفلسفنا كل شيء .. تكلمنا عن الحياة .. وعن الحب .. والأدب .. والشعر , والنساء .. حتى المشي على الرمال .. تكلمنا في كل شيء .. حينها طلب منى .. أن احكي له مغامراتي النسائية .. كما حكي لي هو ايضاً .. في البداية رفضت .. ولكن تحت الإصرار الشديد .. وجدتني أحكى له بعفوية .. وأقص عليه بدون توقف .. أو انقطاع .. حكيت له عن ..
” تلك الفتاة الريفية ذات التاسعة عشر ربيعا .. التي كانت تسكن .. بالبيت المتاخم لنا .. ذات البشرة البيضاء الناعمة.., والحيوية التي كانت تتمتع بها .. والذكاء الفطري الذي كانت تمتلكه .. والجرأة اللآمتناهية .. وكيف استطاعت بذكائها أن تغزوني بجيوش من الرغبة المحمومة نحوها .. بعدما أضاءت كل المصابيح المظلمة بداخلي .. وفتحت باباً لم استطع اغلاقه حتى الأن .. وقتها كنت فى المرحلة ألثانوية.. وكنت خجولا جدا.. ولم استطيع أن اصرح لها بحبي .. حتي تشجعت ذات مرة .. وارسلت لها خطاب غرامي .. قلت لها فيه كل ما يجول بداخلي .. وكل ما اشعر به من ناحيتها .. وشرحت لها حالي .. وفي النهاية طلبت ميعاد .. وكانت المفاجأة السارة .. جاءت في ميعادها .. تحدثنا كثيرا .. ومشينا كثيراً .. والأيد في الأيد .. قد تشابكت وحنت .. وروت لي الكثيرعن أبيها .. الذي يريد ان يزوجها بأبن عمها .. وكيف كان لا يريد ان تكمل تعليمها .. ولكن تحت بكائها .. وتحنن امها .. وافق علي مضض .. بان تتعلم وفقط .. وكيف وضع عليها عيون في كل مكان .. تراقبها .. ليعرف اخبارها اول بأول .. وعن اخوتها الذين هم اشد قسوة من ابيهم .. وكيف … وكيف … وانا كنت استمع لها .. ولا ادري ماذا اقول .. ولا ماذا افعل .. حتى لا يأخذها غيري .. أو لا تتزوج من ابن عمها .. وشعرت بالفرح والحزن .. والسعادة والأسي في ان واحدة ..وتوالت اللقاءات بيننا .. وكان حبها يكبر في داخلي يوماً بعد يوم .. حتى كانت النهاية .. ابيها لا سامحه الله .. علم بما كان مني ومنها .. فاحتبسها في البيت وارسل اخوتها لأخذ حاجتها من السكن .. واصر ان يتم زواجها من هذا الأبله المعتوه .. دون ان تتم تعليمها .. ورحلت فجأة عن الشارع .. وانقطعت اخبارها عنى .. ولم اعد أراها بعد ذالك ..”
وكنت أحدثه .. وهو ينظر إلى باهتمام .. ويضحك من حين لأخر .. وكأنه غير مصدق ما أقول له .. فاقسمت له على ذلك .. فضحك بملأ فيه .. وقال لي بنبرة ساخرة مازحة
ــ ” ماشى يا عم الدنجوان ” …
أذكر “عندما مرضت .. طلب مني قائد الكتيبة .. لما رأني غير قادرعلي طابور اللياقة البدنية .. ان اذهب الي مكتب الافراد .. وطلب من الشاويش فراج .. ان يعطيني أورنيك مرضي .. وبالفعل خرجت مع عربة التعينات .. وذهبت الي مستشفى العسكري .. وكانت تلك هي المرة الاولي التي دخلت فيها .. مستشفى عسكري في حياتي .. ولا استطيع مهما اوتيت من فصاحة لسان .. وبراعة وصف او بيان .. ان اعبر عن مدي جمال المكان الذي يطل علي النيل .. وقمة الرعاية الصحية .. والاهتمام .. وراحة النفس التي وجدتها هناك .. كان كل شيء فيها علي أعلي مستوي .. من نظافة , وعلاج , وراحة تامة .. تشعرك وكأنك في فندق خمسة نجوم .. الجميع هناك يهتمون بك .. يراعوك .. ويخافون علي حياتك وكأنك واحد من اهلهم غالي وعزيز لديهم ” .. تمنيت لو قضيت جيشي كله هناك .. وتمنيت ايضا ان اجد كل هذا الجمال والاهتمام..في جميع المستشفيات التي بالخارج قضيت بضعة ايام .. كانت من اجمل ايام عمري ..الجو كان رمضان ..والمكان هادئ ونظيف .. واهتمام ورعاية .. تفوق الحد والوصف , والخيال .. كل شيء بمواعيد, وانتظام ..كل من يراك يسأل عنك, ويدعو لك.. ويتمني لك الشفاء العاجل .. ويتمني بأن يقدم لك أي خدمة تطلبها .. شعرت بينهم وكأني بين اهلي وناسي .. لم اشعر بالغربة .. او الضيق, او الملل ولو للحظة واحدة .. مع اني سريع الملل .. والضيق ولا احب ان انام في مكان اخرغير مكاني الا بصعوبة بالغة..ومع ذلك في هذا شبعت نوم ..وانقضت تلك الايام سريعة.. وكأنها سويعات قليلة.. بل دقائق معدودة .. وقبل ان اغادر المستشفى .. اعطوني جوابان ارجع بهما الي ” الوحدة “.. وصلت الي كتيبتي .. دخلت علي البوابة .. لمحوني العساكر من بعيد التفوا حولي .. منهم من يقبلني ..ومنهم من يضاحكني .. ومنهم من يسندني.. حتي وصلت الي مكتب الافراد ورآني الشاويش” فراج “.. فقام من مقامه .. وسلم علي ببسمة عريضة .. ثم امر العساكر بالانصراف الي اماكنهم .. والا هم عارفين الذي سيحصل لهم ..اعطيته الجوابان .. نظر فيهما وهز راسه .. وهمهم بكلمات لم يصلني منها شيء .. ثم دفعهما الي الشاويش ..” محمد عبد الهادي ” .. وهو يقول له ..
ــ ” خذ نزل دولا عندك .. واعمل له تصريح مع اليومية.. الطالعة النهار ده .. بأسبوع نقاقة .. عشان الحق امضيها من فوق .. قبل ما سيادة العميد يخرج ..”..
لكزني صديقي بقوة .. ولم يدعني اطيل في تداعياتي .. او أن استرسل في ذكرياتي اكثر من هذا.. نظرت اليه بابتسامة باهته.. واومأت له براسي .. ثم عدت الى حالتى الاولى ..ابحث عن تلك الفتاة التي ركبت معي .. انها لم تزل تجلس امامي .. أتأمل جمالها الرباني .. وعيناها السوداء الكحيلة .. في صمت مطبق .. مجذوباً اليها بقوة هلامية خفية .. وانا مكتوف الأيدي .. غير أبه.. ولا عابئ.. ولا مكترث بكل ما يدور حولي .. وكأنها أخرجت كل ما بداخلها .. وسكبته فجأة بد اخلي .. مما جعلني ساهم واجم .. صامت .. برهة من الزمن .. ليست بالقليلة .. وانا على تلك الحالة .. افكر في أمر هذه الفتاة .. الغريبة الغامضة التي أمامي .. ورحت انظر من النافذة .. وصديقي يدير الحديث مع ام الفتاة بكفائة .. رأيت القمر كالعرجون .. والمصابيح المصطفي على جانبي الطريق .. بمحاذات الجسر الحربى .. والبيوت النائمة وسط الحقول .. والتي لم يزال ينبعث .. منها الضوء الشاحب .. والهواء البارد يعبث بأوراق الشجر .. وزعف النخيل النائم في سكون .. والترعة الصغيرة التي تمشى بمحاذات القطار.. يالها من ليلة لم ولن انساها ما حييت .. فتاة جميلة وكأنها البدر.. نزل من السماء ليجلس امامي .. لكنها شاردة الذهن .. وسارحة العقل .. والقطار ينساب كالريح .. يزمجر .. يخبط .. يهتز , ويتمايل وكأنه يرقص في عرس اسطوري .. والليلة شتوية رائعة .. وانا استمتع واستلذ بكل لحظة تمر بي ريثما تعود تلك الفتاة .. من عالمها الخيالي الذى ذهبت اليه .. بعقلها بعيدا عني .. اردت ان اشد انتباهها .. افتعلت سعالاً .. انتبهت .. فابتسمت لها .. وقلت : بصوت يسمع اليقظ ولا يوقظ النائم ..وكأني اكلم نفسي .. بعد تنهيد خرجت مني عفوية .:
– ما اجمل الليل …. وهذه الليلة بالذات …؟!
– لماذا …..؟
– لأنى احب السهر , والسفر بالقطار .. وايضا من اجل انكي بجواري……..؟
بابتسامه بجميلة خجلا .. تزيد من جمالها .. واحمرار وجهها .. تابعت حديثها
ــ بس انا اعرف الذى يحب الليل .. العاشقين ؟؟؟
– تعرفى مين اول من سهر الليل ……
ـ ……………؟ّ!!!!!
ــ حواء
ــ حواء ؟؟!!!!!
قالتها باندهاشه .. وعلامة استفهام كبيرة ملأت وجهها ألأبيض .. طابور من علامات التعجب .. اصطف في عيناها الواسعة .. وفمها المعقود قد انفرج عن صفين من لؤلؤ وكأنها تستحثني ان اكمل حديثي معها .. فوجدتني لا املك الا ان استطرد في حديثي معها .. وأبين لها اصل الحكاية ..
ــ دي حكاية طويلة .. يكفى انك تعرفى .. انه لما نزل ادم وحواء من الجنة لم ينزلا معا في مكان واحد ..
وانما نزل كل منهما .. في مكان مختلف .. فذهبا ليبحث كل منهما عن الاخر .. فكان أدم يبحث عنها فى النهار .. وينام بالليل .. اما حواء فكانت تبحث عنه بالليل والنهار .. فلما رأته مقبلا من بعيد جلست مكانها .. فلما اقترب منها. قال لها
ــ ” انت تجلسين هاهنا .. وانا ابحث عنك ” ..
ــ ” ما تركت مكاني منذ نزلت “..
ــ يعني ايه حواء كدابه مثلا .
ـ حاشا وكلا .. من قال هذا .. ؟
ــ انت تقول هذا .. !
ـــ لا لا .. هذا اثر .. او قولي خبر قراته في كاتب ” البداية والنهاية ” لابن كثير “.. وبصراحة انا غير مصدقه .. لكن انتِ لماذا أخذتِ منه الجانب السيئ .. ولم لا تأخذي منه الجانب الايجابي
ـــ اللي هو ايه ..؟
ــ اللي هو اني امنا حواء .. كانت تحب ابينا ادم .. اكثر من ابينا ادم عليهما السلام
ــ ههههههههههه هههههههه .. وممكن تقول خائفة عليه ليضيع منها ..
ـ وممكن ايضاً تقولي.. انها هي نفسها كانت خائفة .. بحكم انها انثي وضعيفة وتبحث عن الأمن والحنان ..
وأخذت تحكى .. وأنا مقبل على حديثها.. وكأنى أجلس أمام أستاذة جامعية في علم الاجتماع تخرجت من” اكسر فرد “ورحت أستمع إلى صوتها الدافئ العزب المفعم بالأنوثة ..بنبرت صافية صادقة .. وأنا أنظر فى عينيها .. فيدخلني الخوف..والعجب
– ما رأيك فى الحب ..؟
– خرافة.. لكنها جميلة .. انتِ تؤمني بهذه السخافات ..؟.!
ابتسمت .. في اندهاش .. ثم سكتت .. والسؤال لم يزل علق بعينيها .. وعلامة استفاهم كبيرة .. ورائها طبور من علامات التعجب .. وأنا أكمل
– الحب أكذوبة كبري .. أخترعها الأنسان في الارض .. ليخبأ ورائها أغراضه الحيوانية الدنيئة .. وانا اسف عن هذا التعبير السخيف …
– هههههه.. يااااه ..؟!! .. أنت مصدوم صدمه واعره …؟!!!
– وفي النهاية عرفت أنى الحب العذري ..الذي كنت ابحث عنه وانشده غير موجود في هذا الزمان.. انقرض كالدينصورات ممكن تقولي حاجة زي كده ..
– أمال ايه الموجود الأن ..؟!
– النفعيه .. وألأحتياج .. وتبادل مصالح .. الرجل محتاج لأمرأة .. تقوم على خدمته .. وتنجب له الاولاد وتأنس وحدته .. والمرأة تحتاج لرجل يحميها .. ويلبى حاجياتها .. وطلباتها.. ويشعرها بأنوثتها .. و…..؟؟
– انت اتجنن بجد .. جبت الكلام ده منين .. ؟
– من مدرسة الحياة .. الحياة علمتني كتير .. والدنيا مدرسة
– والحب من أول نظرة ..؟..كلام فارغ برضك..
ـ اسمحي لي .. مفيش حب من أول نظرة .. ولا من أخر نظرة
– أنت متشأم قوى.. ونظرتك للحياة سوداوية.. يا بني اقلع النظارة السوداء اللي علي عنيك.. عشان تشوف الحياة حلوة .. وكلها الوان زاهية وجميلة ..
قليلا من الصمت .. راح يفصل بيننا .. أردت أن أتعرف .. إلي أين وصل القطار .. أخرجت رأسي من النافذة .. مازال الليل جاثم .. والضوء خافت .. والبنايات النائمة وسط الحقول التي ينبعث منها عبق التاريخ .. تظهر وتختفي سريعا .. عربات مسافرة علي الجسر .. وصديقي مندمج .. في الحوار مع أم الفتاة .. التي تضحك من كلامة .. الذي لا يصلني منه شيء ..
لا ادري لماذا تذكرت ابي في هذه الحظة .. ربما لأني سأراه بعد سويعات قلائل .. وربما لأني اشتقت اليه كثيرا ..ابي يبلغ من العمر سبعين سنة .. ولم يتقوس ظهره ..ولم ينحني الأ لله .. منذ وعيت علي الدنيا .. وانا راه مثلا اعلي لي .. وركن شديد .. لكنه يملك بداخله قلب كبير .. حنون جدا.. ابي طيب القلب .. و فقير .. لكنه يحمل ملامح الأرض .. وطباع البحر .. واخلاق القران .. قبل ان اسافر اخر مرة .. جلست لجواره تبادلنا اطراف الحديث .. وقبل ان ارحل عنه وأودعه رأيت الدموع في عينيه وهي تترقرق .. لتستوقف تفكيري .. فلم ادري الا وانا قد ارتميت في صدره .. ليضمني بين زراعيه .. كما كان يفعل معي وانا طفلً صغير .. واخذا يقبلني وهو يصارع دموعه .. وكلماته راحت تتلاشه خلف صوته المتحشرِج .. حينها بكيت ولا ادري لماذا بكيت .. واخذت اقبل يده ورأسه .. وهو يربت علي كتفي .. بيده السمراء .. ذات العروق النافرة .. ثم يهزني وهو يقول لي .. بصوت ُملئ جمالاً وحنان .. صوت لن انساه ابداُ .. انه صوت ابي الطيب ..
ــ انت خلاص بقيت راجل وكبرت يا ولد … !
ــ …………
النور في عربات القطار .. شاحب او شبه معدوم .. يصفر القطار وهو يقترب من احدي المحطات .. يتأرجح .. يتمايل .. يهدأ من سرعته .. يأتيني صوت ارتطام عجلاته بقضبانه الحديدية .. يذكرني بفلم ..” انا وانت وساعات السفر”
” حين وجد البطل نفسه امام محطة مصر .. رمي نفسه في احدي القطارات .. المنطلقة تواً.. يجلس امام غادة حسناء .. يبدو عليها الثراء الفاحش .. في العقد الرابع من عمراها.. ترتد نظاره سوداء ويدور بينهما حوار طويل.. هي بدأته.. وهو يحاول ان يتعرف عليها .. ولكنه فشل .. وكان مندهش لأنها تعرفه جيدا .. وهو لا يعرفها في البداية.. ظن انها احدي المعجبات .. فالبطل”مؤلف قصص وروايات ” الا انه اكتشف في نهاية المطاف .. انها حبه الاول والأخير.. تلك الفتاة الجامعية .. التي لم تصبر عليه .. حتي يكون نفسه .. وتمردت علي هذا الحب لتتزوج برجل ثري .. يحقق لها كل ما تريده .. وما تتمناه .. والذي كان ينتظرها ..علي المحطة في اخر الفلم ..”
يهتز القطار .. فيرتج كل ما بداخله .. وبمن فيه .. وأنا ………

أضف تعليقاً