على غير عادتي، لم أتأهّب هذا الصباح للخروج باكرا بحثا عن لقمة العيش، تمرّدت أخيرا على واقعي المرير، لأوّل مرّة في حياتي أعزل نفسي داخل نفسي، وأكتفي بمراقبة هذا العالم المقيت من شرفة غرفتي الهرمة.

استدرت يمينا فوقع بصري على آخر محطّة يلتقي فيها سكان مدينتي، تأمّلت أولئك الذين غادروا باتنة منذ أجيال، هم يرقدون هنا بسلام بعد أن ودعوا هذه الدنيا الفانية، تاركين ما فيها من زيف لمن يكدّون طلبا لودّها.

” صباح الخير أيّها النيّام ” ألقيت التحيّة وأنا أمسح دمعة فرّت من عيني العابسة  “كم من حبيب لي هنا؟ ” تساءلت في لحظة حيرة وأنا أرجو المارّين قربهم أن يخفّفوا ضجيج خطّاهم ليرحموا وحدتهم الباردة.

” آه يا باتنة ماذا فعلت بي؟ وماذا سرقت منّي؟ وأنا ابنك البار الذي لم يخنك يوما”.

أمعنت النظر في محيّاها البهي وهي تستسلم لطلائع الصّبح الأولى، جميلة هي كأنّها ريم شاردة في صحراء مقفرة.

سحرتني كعادتها بدلالها وأخذتني بعيدا إلى أعمق بؤرة فيها، طافت بي في زوايا ذاكرتي، أعادتني لزمن ولادتي، فطفولتي، فشبابي، كم مضى من الزمن وما زلت أعشقها كأنّها لم تجرحني يوما؟

تهت في ممرات الأزمنة التي سارعت إلى احتضاني تبثّني اشتياقها حضوري الذي غيّبه قهر الحياة.

لم أصح من شرودي إلّا على وقع يد تربت على كتفي تسألني أن أستفيق من ذهولي وحنيني، فأنا ابن اللحظة، ابن الحزن الذي طواني في قماطه منذ أن خنق أحلامي واستعبد آمالي واستباح ذلّها.

” ما حاجتك بتلك الذكريات وأنت عبدي ولا مفرّ لك من قيدي؟ ” راح يفاخر بكلّ تبجّح وهو يقهقه عاليّا ليدكّ ابتسامتي دكّا.

استدرت إليه، تقدّمت نحوه، تأمّلت وجهه الأسود الذي انعكس بكآبته على جدران غرفتي فشوّه ربيعها، لتتحوّل شيئا فشيئا – كمن يرقدون هناك بالقرب منها- إلى جثّة هامدة.

جلست على كرسيّ منزو في الركن وبقيت أنظر إليه، دنا منّي مستعرضا وقاحته مجدّدا، وهو يهمس لي مستفزّا هدوئي: ” أتظنّ نفسك حقّا قادرا على الفرار من قفصي؟”.

أجبته في لحظة انفعال: ” ولما لا؟”.

كرّر الضحك مرّة أخرى محاولا إثارة غضبي ” لو أمكنك فعل ذلك لما بدأت نهارك بالحديث إلى موتى، وما عزلت نفسك في شرنقة أناي، أنا استعبدتك منذ استسلمت لمن سرقوا أفراحك وقتلوا أحلامك، وشيّدوا على أنقاضك براثن غيّهم؛ أنت ككلّ هؤلاء الأحياء بلا روح، لا حياة لكم سوى الرّكض خلف فتات يرميه سادتكم لتشبعوا جوعكم، قوم بلا رأي ولا غاية ولا طموح، ما حاجة الأرض لكم؟ غير أن تكونوا كما أنتم فئران تجاربي ومن يليني من بني جلدتي”

للحظة شعرت بالاختناق، كأنّ أحرف كلماته سلبت كلّ أنفاسي، هرعت من مكاني نحو الشرفة، ملأت رئتي بهواء الفاتنة باتنة وابتسمت، أجل لقد ابتسمت، رغم سمومه التّي نفثها لتوّه في وريدي فعلتها وابتسمت.

استدرت إليه مجدّدا، رمقته بنطرة متمرّدة وطلبت منه عقد هدنة بيني وبينه، يستسلم كلّ منّا فيها لصمته، والغلبة لمن نطق أوّلا بما يبهر الآخر.

قهقه مرّة أخرى مستخفّا بي، كأنّه يضمن النهاية.

غادر نهار وحلّ ليل، وتلاه آخر جرّ في عقبه سوادا ثانيا وثالثا، وأتى فجر رابع لاح بريقه من بعيد فأيقظني من سباتي، ورشّ على وجهي زخّاته النديّة فنزلت على تلال روحي كغيث طلّ بمحيّاه على أرض عطشى حاصرها الذبول.

أحسست حينها أنّ يد الحياة تمسح بؤسي وتصافح إشراقي لأولد من جديد، فانتفضت أغنّي وأرقص مستبشرا بما هو آت.

احتار ذلك المسمّى ” ألم ” في أمري وهو يلتوي على نفسه في مكانه، مستغربا  جنوني المفاجىء.

تبادلنا الأدوار هذه المرّة وقهقهت بأعلى صوتي وأنا أخاطبه: ” انتهى حصارك أيّها البغيض، لقد زارتني أحلامي البارحة، وعدتني بلقاء قريب، وأنا ماض إليها وكلّي شغف لاحتضانها، ما عدت تقف بيني ويبنها، تحرّرنا  أخيرا منك ومن غلّك”.

كنت في قمّة السعادة وأنا أتأمّل دموع الكسر في عينيه ” ستشتاقني جدّا ولكنّك لن تحظى بي مرّة أخرى”، ودّعته وأنا أنطلق نحو أفراحي مبتهجا بكلّ ما سيكون.

 
تقاسيم:

* باتنة: مدينة جزائرية تقع شرق البلاد، وهي عاصمة الأوراس الأشّم.
* أربع: هنّ المدينة، المحطة الأخيرة، الغرفة، الأحلام.

أضف تعليقاً