بجيبٍ خاوٍ، وقلبٍ كسيرٍ ؛ غادر رصيف الاسترزاق بعد يومٍ آخر بلا عمل .. مُنهكاً تسيرُ به الطُرُقاتُ بغير هدى؛ بينما الشمس تهبط الدرج إلى ساحة الغياب .. صراخ مَعِدُ عيالِه لا يفارق أذنيه، يعتصر قلبه .. يُعاقرُ الهذيان وهو يجُرُّ قدميه جراً في رحلة الإياب إلى داره: كيف سيدخل على أولاده خالى الوفاض كما الأمس، وأول أمس، لم يعد بمقدوره أن يقترض .. ينتبه إلى يد ٍ حانيةٍ ٍتقبض على ساعده تصْحَبُهُ – مسلوب الإرادة – إلى خيمةٍ كبيرةٍ بطرف الميدان، عامرةٍ بالموائد الحافلة بما لذ وطاب من صنوف الطعام.. زائغ العينين يمسح الطاولات وهو في طريقه إلى إحداها برُكْنٍ الخيمة .. يجلجل آذان المغرب من المسجد القريب.. تناول تمراتٍ يجترح بها صيامه، قبل أن يبلغ شق التمرة حلقه؛ برقت برأسه حيلة، من فوره؛ مُسرعًا راح يجمعُ من حوله ما طالته يداه من أطباق (الفُوم) – التي لم تجد من يلتهم ما تحويه – في كيسٍ كبيرٍ يلازمه، ثم انْسلَّ خارجًا، بينما الحوار مستعر – على أشده ـ بين الأفواهِ والأطباقِ ..
يحلِّقُ طائرًا إلى مسكنه، يلتهم الطريق .. يَلقَى زوجته منشرحًا، يستحثها لتأتىَ بالأولاد .. تضحك؛ فيعجب من فعلها؛ فتجيبه : إنهم يلعبون مع أولاد الحارة، يلوح بالكيس : جئتهم برزق كثير؛ فتجيبه: قد أكلوا وشَبِعُوا .. تتقافز على وجههِ المنحوتِ علاماتُ استفهام بشتى الألوان، وشرر الاستنكار والغضب يتشظَّى من عينيه … قبل أن يسرح خيالُهُ بعيداً، ويجنح في دروب الشك؛ راحت تروي له القصة …
- أرزاق
- التعليقات