أربعة أصدقاء في ربيع العمر مذ وعوا على الدنيا وفتحوا أعينهم عليها وهم مع بعضهم البعض لا يفرق بينهم لا سوء تفاهم ولا عناد ولا غيرة، كان لهم عالم خاص بهم مزيج بين لعب وجد وشقاوة اجتمع فيهم الفضول وحب المغامرة وزهو الشباب وجمعهم الحي قبل الرفقة والرفقة قبل الصداقة والصداقة قبل أن يصيروا كتلة لا ترضى الانقسام، ولم يكن لبعضهم على بعض من غل ولو مثل قطرة من غدير فما أجمل تلك الصداقة ونعم الأصدقاء هم.
كانت ابتسامة أحدهم تعني سعادتهم كلهم وحزنه يعني موتهم وٙسُرّٙ الأصدقاء بالمقالب لما كانت تثير في نفوسهم من بهجة وسرور وكان من بينهم صديق يحب النوم حبا جما ولا يطيق النهوض باكرا واسمه أكرم.
في احدى المرات فكر أحدهم بعمل مقلب له يجعلونه من خلاله ينهض باكرا ووافقت البقية على اقتراحه واعجبتهم فكرة المقلب كثيرا ورحبوا بها أيما ترحيب. وقد كانت الخطة أن قرروا القيام برحلة وهمية طبعا واتفقوا على أن يكون اللقاء الرابعة صباحا تحت العمارة أين محل إقامته للانطلاق في الرحلة عند الساعة المتفق عليها، أوصلوه مساء إلى العمارة حيث يقيم وودعوه على أمل اللقاء على الرابعة صباحا وتركوه وقد أسرع للبيت للتحضير للرحلة بينما هم ضحكوا بشدة عما سيفعلونه به، وكل ما دار بينهم من حديث كان أنهم سيتسلون كثيرا برؤية وجهه في يوم الغد عندما يكتشف بأنه مقلب.
دقت الساعة الرابعة نزل مسرعا للقاء أصدقائه لكن لا وجود لأي أحد منهم حاول الاتصال بهم فردا فردا لكن هواتفهم مغلقة جميعا فاحتار للأمر…تللك ستائر مسدلة فأين العرض؟، وأين العارضين؟…أين تلك الوجوه التي تشع حبا وحياة ودين؟…
كان من أصدقائه فرد يسكن العمارة نفسها وقد بقي يسترق النظر إليه من أعلى للوقوف على ردة فعله الأولى ما إن لا يجدهم ويفكر بأنه مقلب، ولما رأى صديقه ينظر يمينا وشمالا عله يجد أحدهم وفي الوقت نفسه يحاول مرارا وتكرارا الاتصال بهم وقد بدى عليه القلق فخطوطهم كلها مغلقة نزل إليه مسرعا والغبطة تتملكه.
ولما نزل رأى ما يذهل القلب ويذهب العقل وصار كصنم يتحرك ببطء شديد خشية أن تتناثر جزيئاته فيصير مجرد فتات ويا ليته كان صنما ويا ليته أصبح فتات وما رأى ما رآه. لم تمض دقيقة واحدة مذ كانت عيناه عليه، دقيقة قضاها نازلا إليه لكنه لم يجد هذا الصديق بل وجد منه بعض الفتات لقد كانت قطرات وأية قطرات لكثرتها أن ينجو هيهات…حل ظلام قلبه وانطفأت روحه وذهب في سبات…سبات الحياة والممات فلا هو حي ولا هو قد مات…وقف وقفة لائم…ماذا فعلت؟…ماذا أذنبت؟…وكيف تغفر الخطيئة؟…وكيف أكفر عما فعلت؟…
مشى منهارا بخطوات منتحرة تتخبط بدمائها سار كآخر أوراق الخريف تقودها الريح إلى جانب الدم وراح يتبعه بعينه ويتخيل ألم صاحبه ويتساءل عن هذا المصير، ولم يعد يشعر بالمكان ولا الزمان هل هو الليل أم الفجر؟، أم أنه وقت الهجير، تجمدت أطرافه ويبست عروقه فقط ذاكرة تخزن فظاعة المنظر وبشاعة الصور وإحساس بالذنب ينهي أي صلة له بالحياة وبكل الوجود.
قضى أسبوعين في المستشفى لا الحياة احتضنته ولا الممات ليلحق بصديقه.
- أصدقاء لكن…
- التعليقات