.. لم يكُ يعلم أن أيام النحس جاءته تترى فأوشكت أن تُورِقُ داخل أحياز أطماعه ، وظن في لحظة تفتت فيها أوهام صلواته أن زمن الرجوع لا ينكسر .. ليلة ظلماء وسط كومة من رماده المعجون تبدَّد فيها كل حساب ، ويداه ذاك الكائن أخذت في ارتعاش بعدما سلـَّـم أن بداية نهايته دقَّ جرس إنذارها ، وما عسى من تورَّمت عيناه أن يفعل وهو يحتضر في قبوه ، وتـُنتزع منه ربطة عنقه رغم أنفه ؟!
اتكأ على قفاه وهو يتلوَّى من شدة ما لم يكد يصدِّقه ، كيف به يهوي أمام من ظلوا يرسمون له خرائط الأفول إلى حين دون شعور منه ؟ .. إنها مكيدة دبَّرها خصومه للإيقاع به ( هكذا شرع يحدِّث نفسه بعدما نزع بذلته الأنيقة وهو يغادر الأريكة ) .
إنه لا يزال يذكر وهو في مكتبه يتمطى كيف كان يضرب بعصى من حديد كل من يتباطأ إلى تنفيذ قراراته ، والكل من خشيته خائفون .. كان يعلم علم اليقين أن الوجوه التي كانت تحيط به لا تخشاه ، فما أبرقت له عيونهم وهو يرمي لهم بأوراق لا جذور لها صارت لعنة تطارده ، وما عادت كافية لأن يندسُّوا في خبثهم تحت حماقات الزمن التي لا تعي أيُّ الناس علا وأيُّهم سفل .
يا للكلمات الضاحكة كيف تشنق صاحبها من الوريد إلى الوريد وتحتلم في طيش كل صباح وفي غفلة من حراس مجدها ؛ فلا تدري الأنامل بأيِّ ذنبٍ زوَّرت فواتير حساباتها ؟ أتراها فواتيري الزرقاء تشفع لي عند شيوخ القمم ؟ أم أن الحمراء منها تدحسني فتهوي بي في مكان سحيق ؟ ( قال الرجل وهو يختنق في سردابه ) .
لقد بدا خائفاً يتلون في صمته المجهول ، عيناه تتراقصان على حبل من الآهات ، تائهة حساباته في بحر لجِيٍّ لا يدري أين ترمي به إن هم أخرجوها له للمقاضاة .
.. كيف أقاضى وأنا من قضى نصف عمره ثابتاً لا يتزحزح من مكانه ؟ لن أكون لقمة سائغة في وجه هذه الأعاصير التي تعصف بأمثالي هنا وهناك .
آهْ ! لقد آن أوان المواجهة .. ومن تراه يقف إلى جنبه هذا المخضَّبُ بجروح مَنْ أيديهم شاهقة تدعو عليه في صمت ؟!
.. لا بد لي من مخرج ( قال مسعود المسخوط وهو يعي حقيقة وجوده قبل أن يجد نفسه في لمح البصر يتأرجح بين أوراقه التي لا تثبت حقيقة ما صار عليه ). نظر مسعود إلى ساعته وقلبه شاهق كأنه ينتظر فرجاً موعوداً يخفِّف من دقاته .. نظر يميناً ويساراً ، ثم سار ورجلاه لا تكاد تحملانه لتتسارع دقات قلبه أكثر وهو ينظر من النافذة حينما أبصر سيارة صاحبه الحميم تركن بجوار بيته .
لم يتمالك نفسه وعاد القهقرى ، وبدا عليه الشحوب ، وتغيَّر ماء وجهه ؛ فتحجَّرت أمانيه ممتشقة حبل سراب صحرائه المقفرَّة .. لم يعد يثق في أحد ، ولا عاد يرى ما كان يراه جميلا ، أحلامه بدأت تفقد بريقها وترتحل غير مأسوفة عليه ، لن يستطيع هذه المرة كما كانت تحدِّثه خوالج نفسه أن يردَّ زَحْفَ النار التي أشعل لهيبها دون أن يعي .. كان يعتقد أن الأمر سيمرُّ مرور الكرام هذه المرة وهو يسحب مبلغأ ضخماً من حساب الشركة .. هذه المرة كان ينوي الاستثمار في عقارت البلدية كما أعلمه أحد الرفقاء إلا أن يداً تتبَّعت ما كان يخطط له فقسمت ظهره ، وتركته يتخبط في خوفه لا يدري متى ينقضُّ عليه سيف العدالة !
قال المهدَّد للماثل أمام الباب وهو يستنشق عبراته في سرّ : لماذا أبطأت عليَّ ؟
ـ دعني أدخل أولا .. (قال الزائر وهو ينزع نظارته السوداء) .
توسَّط الزائر بهو المنزل ، وجلس في مكانه الذي اعتاد الجلوس عليه كلما زار صديقه ، وأخرج سيجارة من جيبه وأشعلها ، فقال له المتلئبُّ في تيهانه وهو يجلس أمامه في أريكته التي تسحر الألباب :
ـ هل صحيح ما سمعته منك البارحة ؟ (قال مسعود وهو يطمع في أن يكون الخبر من صاحبه مزحة) .
رفع الزائر السيجارة إلى شفتيه الرماديتين واستنشق من دخانها ، ثم رفع رأسه قليلا ونفث ما استنشقه في الهواء عالياً ومسعود ينظر إليه ونفسه تتأرجح مما هو فيه من شك ، ثم ما لبث أن نظر الرجل إليه قائلا :
ـ مِثلُ هذه الأمور لا يُمزح فيها يا مسعود .
ـ وما أدراني أنا ؟ .. قل لي الحقيقة يا رضوان .
نظر الرجل إليه هذه المرة وعيناه تثقبه كأنها تعاتبه مما سمع ، ثم أشار إليه بسبابته في حذر :
ـ سي رضوان يا .. مسعود !
تفاجأ مسعود مما سمعه من صاحبه الحميم ، فهو لم يعتد منه هذه النبرة الحادة منذ أن عرفه ، فكاد أن يفلت من عقاله ؛ لكنه تريَّث حتى يعلم ما الذي يبغيه منه وهو لا يزال مترفعاً لا يلقي له بالاً .. استمر مسعود في حملقته نحو هذا الذي أمامه مائلاً بوجهه عنه وهو لا يدري بمَ يحدث أمامه ، فقال في نفسه : ما به يخاطبني على غير عادته ؟!
ثم ما لبث أن خاطبه مسعود :
ـ ما بك تولي وجهك عني ؟ انظر إليّ وتكلم .
نظر رضوان إليه والسيجارة لا تفارق شفتيه ، ثم أزاحها مِن فِيهِ وأطفأها بعدما نفث ما كان يخزِّنه مما بقي منها ، فقال له :
ـ هذه المرة لن تنجو .. كل الدلائل تدينك ، ولا مجال للإنكار .
قال مسعود وقد فلتت منه ابتسامة :
ـ يا لك من أحمق وغبي .. أتظنني أبلهاً ؟ .. ستكون أول من ينساق أمامي إلى ” القِيبَّه”* !
انفضَّ رضوان من مكانه كالطير الجارح وصرخ في وجه جليسه :
ـ أنت وحدك من سيزور السجن …
انصرف رضوان من أمامه يريد الباب ، ثم التفت إليه كأنه يوبِّخه :
ـ يداي أنا نظيفتان ، ولا أثر ورائي خلفته !
خرج رضوان تاركاً مسعود متلئبّاً ، لا يدري ما يحدث معه .. عضَّ على شفته السفلى ثم تأفــَّف عالياً .. نهض من مكانه واتجه صوب ثلاجته ، فتحها ، أفرغ نصف قارورة ماء في بطنه الكبير ، ثم رجع إلى مكانه ، وألقى بجسمه فوق الأريكة ، واتكأ بقفاه على رأسها وعيناه تحملقان في سماء بيته .. حرَّك رأسه يميناً ويساراً ، ثم شرع يضحك في نفسه ضحك المتهكم ، وتذكر يوم أن جاءه رضوان يطلب مساعدته .. لم يكن يعرفه ، ومع مرور الوقت صار نديمه وجليسه ، فكيف به انقلب عليه ، فقال في نفسه مسعود : صدق من قال : ” اتَّـقِ شرَّ من أحسنتَ إليه ” !
ضرب مسعود يمناه بيسراه متفـِّـفاً ثانية ، وتذكر يوم أن قال له رضوان أكثر من مرة : أتعلم يا صاحبي : إنك مسعود حقاً وحقيقة .. اسم على مسمى .. ما شاء الله ! كلما سرتُ معك حلـَّت عليَّ السعادة .. لم يخِبْ ظني فيك مذ عرفتك !
بقي مسعود يسترجع ماضيه ، ويقف عند مراحله ، ضاحكاً مرة وساخراً أخرى ، كيف به بعدما كان ينادى بـ ” سي مسعود ” ها هو يوشك أن يتجرَّد من بهرجته ؟ هل سيلازمه حرف السين والياء بعدما توشك أن تُحال أوراقه على التحقيق ؟
وعند المساء وبينما هو يستعد للخروج يرنُّ هاتفه ، يرفعه إلى أذنه فلا يجيب المتصل .. بقي مسعود ينتظر كلمة من طالبه دون جدوى ، نظر إلى رقمه لكنها كانت مكالمة خفِيَّة ، فقال في نفسه بعدما فقَدَ الاتصال : لا شكَّ أنه ذاك الخبيث يتلاعب بمشاعري .. لكنني سأريه من يكون سيِّده مسعود !
قام مسعود من مكانه ، لبس بذلته وطوَّق رقبته بربطة عنقه ، ثم اتجه نحو الباب يريد فتحه فإذا هو بسكرتيره يحمل بيده أوراقاً وهو ينظر عن يمينه وشماله كأنه مطارد ، فقال بعدما ألقى التحية :
ـ سيد مسعود جئتك بكنز ثمين .
لم يفهم مسعود من حقيقة ما سمعه شيئاً ، فقال له :
ـ ما بك يا رشيد ؟
ـ دعنا ندخل أولا فأشرح لك .
دخل الاثنان وجلسا وجهاً لوجه .. كان رشيد لا يزال يسترجع أنفاسه ومسعود ينظر إليه وسُحُبُ الحيرة تظلله .. شرع يحدث نفسه : ترى ما الكنز الثمين الذي جاءني به هذا المعتوه ؟ ثم ما هذه الأوراق التي يحملها بيده ؟
لم يكد مسعود ينهي حواره لنفسه حتى فاجأه رشيد بقوله :
ـ أين حلـَّـقت بفكرك يا سيد مسعود ؟
قال مسعود وهو يمسك بربطة عنقه ليُعدِّلها :
ـ ليس لديَّ وقت .. وقل ما الذي جاء بك دون موعد ؟
ـ جئتُ لأنهي معاناتك يا سيدي .
شرع مسعود يضحك عالياً مما سمعه ، ورشيد يبتسم ، فقال بعدما أوشك أن يزيد من ضحكه :
ـ أنت يا رشيد تنهي معاناتي !
ثم ما فتئ أن استرسل في حديثه من جديد : أناس أعظم شأناً مني ومنك لم يستطيعوا أن يقدِّموا لي يد المساعدة وتأتي أنت يا رُوَيْشِد تقول مثل هذا الكلام !
ـ لأنهم لا يقدِّرون قيمة الرجال أمثالك .
شرع مسعود من جديد في ضحكه حتى كاد يغمى عليه هذه المرة .. إنه لا يصدِّق ما يسمعه في هذه الأثناء من جليسه .. كيف برجل خفيف الوزن في مجتمع قاسٍ ؛ أنيابه تفتك بالأخضر واليابس وتقطـِّـع أشلاء الضعفاء في غير رحمة ، كيف بهذا الرجل يقول كهذا القول ؟ ..
ـ أتمزح معي أم أنك فقدتَ عقلك ؟ ( قال مسعود وهو في ضحكه يتعثر ) .
مدَّ رشيد بالأوراق التي بحوزته إلى مسعود دون أن ينطق ببنت شفة ، فاعتدل مسعود في جـِـلسته وأخذ الأوراق بعدما تخلـَّـص من ضحكه ، وشرع يتفحصها من أعلاها إلى أسفلها ، يقلـِّـبها ، ثم يعيد قراءتها كأنه لم يقرأ شيئاً ..
نظر مسعود إلى جليسه بعدما أنهى عناق الأوراق والتهامها ، ثم قال له وهو في ريبه يتردَّد :
ـ ما معنى هذا يا رشيد ؟
ابتسم رشيد في مكر بادي في وجهه ، ثم اقترب قليلا من مسعود كأنه يريد أن يفضي له بسر ، فقال له وهو يومئ له بالاقتراب :
ـ هذه الأوراق تُدين صاحبك رضوان وتلصق التهمة به .
ـ يعني أنني بَرَاءٌ من كل ماقترفتْ يداي ؟ ( قال مسعود وهو لا يكاد يصدِّق ما يسمعه ) .
ـ أجل يا سيد مسعود .. يداك نظيفتان من كل شيء .
قام مسعود من مكانه وأعاد تفحُّص الأوراق وهو لا يكاد يهضم ما يحدث معه ، فالتفت إلى رشيد قائلا :
ـ كيف حصل هذا ؟ .. أنا لم أعد أفهم شيئاً !
ـ سأفهمك كل شيء .. فقط عِدْني أن تـُرقــِّيني في منصبٍ أعلى مما أنا فيه الآن .
لم يتمالك مسعود نفسه وشرع يقهقه عالياً ، فقال له وهو يهز برأسه :
ـ خبيثٌ كعادتك يا رشيد .. لا تفعل شيئاً دون مقابل !
ـ هي الحياة علمَّتنا ولا تزال تعلـِّـمنا .
ـ مثلك يستحق مكافأة أعظم ( قال مسعود وهو يضرب بالأوراق مجتمعة على راحة يده اليسرى ) .
ثم قال في نفسه : لن أسقط يوماً ما دام أمثال هؤلاء يركعون لي ويتفانون في خدمتي !
أخذ مسعود بيد عبده يجرُّها إليه ، وشرع العبد يشرح لسيده كيف استطاع أن يُنجيه من الأسر وهو يحملق في غَدِهِ المنتـَـظر.

ـــــــــــــــــــــ
* القيبَّـه : المراد بها السجن في لهجة الجزائريين .

أضف تعليقاً