رمّم وجهه بالتفاتة أخيرة لذاك الطريق الملتوي على خصر المدينة، الذي طالما عمّق من تيه تلك الأقدام المتسابقة للعدم، وجهته الجسر المعلق الذي لا يتوانى في توقيع النهايات البائسة للأهالي الذين امتدت لهم أيدي البؤس والألم،
بمسحة رتيبة موغلة في الارتداد إلى بؤر الذاكرة المشبعة بالنزيف المزمن، وبزاوية لا تتجاوز الانفراج،أدار وجهه جهة الذاكرة ،شريطاً من وجع الصور التي حطها لتتمدد أمام ناظريه بتتابع راسمة شاشات الحنين الذابل..حينما كان يصول وهو شاداً صولجانه العتيق على منبر المسجد الجامع، لم يكن حينها يشعر بوجع مزمن كما يشعر به الآن، تتداخل في سرّه طاقة نورانية فيحس بأنه وريث الأنبياء على هذه الأرض، فتنز من ملامحه نبوءات ما سيحدث، ليتلون وجهه بألوان الوعيد الذي يدفعه نبالاً في سديم الليل وهو يبصر في كل مرة وجوه أولئك المصطفين في وجهه، لعله يشعرهم بما تحمله رياح التغيير التي استهلت موعدها في المدينة بالهدير، لوح بذراعه المر وشدد بالأخرى على صولجانه، صرّ على فمه المشتعل بالانفعال والغضب وراح يقذفهم بصوت متطاير تنز منه رائحة المرارة :
ـ لطالما حدثناكم عن دوائر الإيمان والاستقامة، وتبعات الفساد الذي نخر المدينة في العمق، حدثناكم عن كل أمور الدين والدنيا، لكنكم لا تأبهون، نعم لا تأبهون، لا أحد في هذه المدينة يأبه للذي يحدث، لقد عمّ الفساد في البر والبحر وتفشى الزنا وأم الكبائر في مدينتكم وأنتم كما أنتم لا تفعلون شيء.
أعادها بتوتر القوس مشيراً ناحية أولئك الشيوخ الذين ملّهم لأنهم لا يفعلون شيء سوى التحديق في وجهه والوشوشة في قفاه، هم دوماً في سباق غير نزيه لصفوف الأولى، لا يتوانون في تسريب كلماتهم البذيئة دون أن تهمهم حرمة المكان الذي يصلون فيه، يشتمون بلا توقف كل من تسوّل له نفسه ويتجرأ على أخد أمكنتهم ولتذهب حرمة المسجد للجحيم، هم متفقون على أن الصفوف الأولى لا تحق لغير كبار السن الذين تعودوا وحدهم على ملاحقة صلاة الفجر.
كان الجسد لحظتها ينتصب في شبه استقامة وهو يضع الخطوة على عتبة الجسر، تحركه تلك الالتفاتة التي تتجه لتوسيع انفراج الرؤية لتتزايد حدتها في ذاكرته المفتوحة على البوح وعلى لفظ الحسرة العالقة في أقاصي الروح التي بدأت توخز أحاسيسه بعنف، ليته كتم صوت الريح الخارج من ذاك الشرخ الذي هب داخله كعاصفة مجنونة محركاً بركان كلماته التي راح يؤجج بها روح المصطفين أمامه، ضرب بعصاه الموشجة بالرهبة والشراشف الخضر، أعاد الضرب على أرضية المنبر الخشبي العتيق كقاض ٍيشذب فوضى القاعة كلما انصرام خيط الهدوء، حدق بقوة في جميع المصلين ثم أردف وهو يستشيط وجعا، حضرت على لسانه حكاية ذاك الراقص المنتدب من الشمال إلى المدينة بقرار وزاري ليدرس تلاميذ المدينة مادة التربية الموسيقية في إحدى مدارسها، وقد طلب من مدير مدرسة أن يسمح له بتعليم الفتيات فنون الرقص :
ـ متى أصبح ياعباد الله للرقص فنون، يا ليته طلب أن يعلمهن ركوب الخيل، أو حتى السباحة لقلنا إنّها من تعاليم نبينا لكنّه الفساد الذي يدخل علينا كل يوم بثوب جديد، أيها الناس أفيقوا…فالسماء ستنهار على رؤوسكم…
تقلصت فيه خيوط الذاكرة الموجعة وهو لازال يلوح بذراعه، فتتراءى له شاشاتها أمام ناظريه تتسارع تسارع الأشرطة الصامتة وهو يدفع جسده اتجاه الجسر رامياً خطوته الأخرى على حافته، حاول اختصار كل الوداع أو ربّما هو الخلاص من رحلة مشوهة الملامح، مبهمة النهاية، زادت زاوية الرؤية بين ناظريه، وأصبح بصره حديداً وهو يمسح وجه المدينة لأخر مرة في عمره ليصبح مدبراً للجسر بعدما كان مقبلاً عليه، دون أن يوقف من حكاية نبضه التي بدأت في النمو عبر شعاب دمه مستعيد لحظتها وجوه أخواته الصبايا اللواتي أحبهن بعمق الأبوة المسلوبة عنوة من زمن الجحود، كيف لا وهو وحيدهن الذي بقي بعدما رحل الجميع وتركوه قائما على إعالتهن، ساهرا على راحتهن، لا يعرف كيف انفلتت من بين أصابعه حبالهن، ولا كيف أصبحن ممتلئات بتلك الطريقة المشينة بالمساحيق والصباغ وبروائح العلب الليلية التي طالما طاردها بحنق في خطبه المنبرية بعدما عجز أن يمنحهن أكثر وأن يجنبهن هذه الهاوية حتى لا ينغمسن في عهر المدينة.
كان أولئك الذين طالما تهجم في وجوههم بسبب عاداتهم السيئة في احترام آداب المسجد وكذا لعدم اكتراثهم بخطبه التي كان يصبها من دمه لعلها تنبئ بالكارثة التي ستجرف المدينة يوماً، يزدرونه وهم يصطفون بفعل العادة ليمنحوه جانباً من وجوههم، ليتركوا الجانب الآخر ليتهامسوا به سراً
همس أحدهم في تواطؤ لمجاوره :
ـ ألا يدري هذا الرجل إلى أي حد انحدرت إليه عائلته؟!
ردّ الآخر :
ـ لا يستحي، ولا أعرف أي وجه من القصدير يتقنع به، ديوث ويخطب فينا أضاف وهو يهمس محركاً رأسه في اتجاه محدثه.
بلع نفساً مترهلاً وهو يبعد ألم تلك الصورة الجارحة عن ذاكرته، بمرارة الدوار أغمض عينييه في وجه الذاكرة التي بدأت في الأفول، لم تعد الشمس بين ناظريه تطلق جدائلها كما العادة على سطوح المدينة المتعبة ببرد التحول، الذي سقط في معمعته الجميع، أصبحت كل الأشياء مقفلة الوجه موحشة المذاق، وصارت معها الأعين النابسة التي طالما طاردته بلغتها اللعينة مسكونة بالحيرة ،وهي تنشب رماح الهمس المريب في ظهره :
ـ هاهو الرجل الذي كان خطيباً على المدينة
قال آخر :
ـ إنّه دعي، منافق ،يستحق ما يحدث له
صمت الآخر واكتفى بالتحديق فيه بحسرة وتشفي، لحظتها عمّق في الغمض دافعاً ذاكرته للانكماش والخبو، لعله يجد في الظلمة شيئاً من الهدوء المستحيل، هو لا يستطيع فعل شيء آخر أكثر من هذا، عاجز مسلوب من الداخل، تكبله تلك الورقة اللعينة التي هتكت جدران حياته وحولتها إلى ماخور منبوذ، وهدت ما بقي من رجولة فيه في زمن اجتاحته لعنة طاعون التغيير المنتكس، لم يبق من تلك الورقة التي عجنها براحته سوى بقايا حروف مطبوعة باللون الأحمر العريض بفعل تقليبها المتواصل، لعله كان يبحث عن معنى غير المعنى الذي بدأ جلياً، يقرأها المرات تلو المرات ويعيد في كل مرة عباراتها بأنين قلبه المشروخ :
• التسريح من العمل*
عبارة قاطعة للروح كحدّ سيفٍ مجنون لترتسم في وجهه قذارة هذه الدولة التي لم تعد تستطيع إعالة شعبها، الكل أفلس، لم تعد هناك مؤسسات تخص الدولة، حتى المساجد التي كان موظفوها يتلقون أجورهم من الدولة أصبحت اليوم مساجد مفلسة، لقد مسها ضر التغيير دون أن يدري أحد .
وحدك دون الآخريين مسّتك آثار هذا التغيير واقتلعت منك كل شيء، صيرتك جسداً مخربا ًلا شيء يصلح فيه، حتى الموت, أفلس بين يديك لم تعد تعنيه لا أنت ولا المعدومين أمثالك، يرفضكم الموت ويتقيأ رائحتكم
لا مكان لك في المدينة ولا مدن للتعساء..
شد نفساً عميقاً محاولاً البحث عن عصرة أخيرة ليخلص مابقي من الروح المتشبثة بسدرة عالمهم القبيح، النبض يتسارع بلا توقف و مذاق السكر ينمو في صفائح دمه، يبدأ البرد والدفء في تعمير خلاياها، تنبلج الرؤية بصعوبة من عينيه المنتفختين، وتتراءى له أخواته حينما كنّ يمررن زارعات روائح الطرق والعلب الليلية في غرفته، يشد لحظتها جرح الروح، ليدفع نفسه بعيداً عن الصدام، يتحاشهن حتى لا يذبح آخر ما تبقى من كبرياءه، يحاول لكنه يفشل، يجد روحه وجهاً لوجه مع الفجيعة، يرفع رأسه يشد على الدمع، وهو يعرف أن لا خيار لهن ولا خيار لرغبته اليوم سوى في الخلاص النهائي، لم يعد قادراً على ابتلاع ما يحدث له، ولم تعد تعنيه الذاكرة في شيء ولا يعنيه الزمن في هذه المدينة ولا حتى أولئك الذين يعرفونه حينما يصلهم نبأ خلاصه، لا شيء يهم في هذه اللحظة ..ولا شيء يثنيه عن رغبته في الانعتاق تاركاً المدينة خلفه بزنخها وزيف تغييراتها التي طعنته حتى الموت، تبدلت الأشياء بسرعة الريح اهترأت القيم وتعهرت الذاكرة ولم تعد المدينة سوى قبو للعهر والفساد، تساوت بين ناظريه الدنيا والعدم، قد يكون في العدم شيء أعتق من الخلاص نفسه، لحظتها بدأ يشعر بانغراس قدميه في طين العتمة يدفعه الجرح العميق إلى وجه الهاوية، دار في مكانه، عذل من انتصابه تلاشت أبعاد التردّد الأربعة بين ناظريه وهو يضع يده على الحافة المسلحة للجسر، تراءت له عتبة طرية متناهية، رمى الخطوة في عشبها كما اعتاد أن يرميها صغيراً وهو يلاحق فراش الحقول، لم يعد بعد أن ترنح في أحشاء العاصفة سوى ترديده لصرخة دوّت من أعماق الهاوية عانق صداها الفضاء ممزقاً البياض بلون من ليل أخير وملوناً المكان برداء أبيض له رائحة الموت.
- أضواء على جسر العبث
- التعليقات