أظنّ أن مدادا كثيرا صبّ في الحديث عن القراءة وضعف القراءة مشفوعا بالإحصائيات الدولية، وهناك أيضا كتب كثيرة كُتبت هدفها تحفيز القارئ العربي على القراءة وهناك مبادرات رائدة لبعض الدول في الدفع بالقراءة إلى الأمام … ولقد لخصت الطفلة مريم أمجون ذات التسع سنوات أهمية القراءة حين أعلنت أمام الصحافة العالمية قائلة:
– “القراءة مستشفى العقول، لأنها تطرد الجهالة والبلادة والتفاهة”
ولذلك سأركز في مقالي هذا على إشكالية ضعف المقروء في المائدة المقدمة أمام أطفالنا العرب.
يقف الكاتب للأطفال الآن أمام تحدي تنوع الشاشات ومتعة ما في الشاشات … فالكتابة للطفل يجب أن تتجاوز كل حدود المتعة المقدمة بشكل مدروس ومضبوط متجاوزة كل أنماط العاطفة والمعرفة ونحو ذلك … هي حلبة منافسة لا عاطفة فيها، فالطفل كما يعلم الجميع ناقد لا يرحم، ناقد يبتعد ببراءة عن كل ما لا يعجبه ولا يلبي احتياجاته أو يتجاوز طاقاته …
هذا الجيل الجديد من الكتّاب للأطفال تنتظره سنوات من التكوين والتمرس على القلم ومعرفة أغوار كهوف عوالم الطفل المختلفة (الجسمية والنفسية والإدراكية …)، وكذلك أنواع الأدب الموجه للطفل شعرا ومسرحا وحكاية ورواية … وتنتظره كذلك معرفة حجم التحدي والآمال المعقودة عليه لتقديم الجديد الذي يفوق كل التصورات، والذي يلبي طموحات أجيال 2100م …
الكتابة للطفل من تجربتي أعتبرها حرفة صعبة بكلّ المقاييس، فكمُّ الوقت والجهد المبذول كبير جدا، وفي طريق التكوين المستمر تنتظر الكاتب محطاتٌ تتكرّر؛ يبدو له فيها أنه يبدأ من الصفر وأنّ أمامه الكثير الكثير ليتعلمه … وفي بعض المحطات يصاب بالإحباط وربما الإحباط الشديد … وهذا ما يستدعي صبرا وثباتا في الطريق …
قد يعجبني أنا ككبير حكاية معينة، أو رسوما متحركة، أو كليب فيديو للأطفال من نوع معين … ولكن هل تعجب طفلي هذه الأمور؟ كم من الوقت يمكنني أن أقنعه بها؟ … لماذا يا ترى ينحاز ولدي للانكباب على رؤية (سبايدر مان) و(بات مان) و(سوبرمان)؟ ويحفظ أسماءهم؟ ويقلد أفعالهم وحركاتهم رغم أنه لم يتمّ الرابعة من عمره؟ …
لا أحبّ لكتّاب أدب الطفل أن يشتغلوا بعيدا عن الطفل قيد أنملة، لأنهم إن فعلوا ذلك فستتحوّل مجهوداتهم -مع حسن نيتهم- لكلام وحوارات ثنائية كبير/كبير لن يصل منها للطفل شيء.
متى يا ترى تشغل تلك الدارة الكهربائية الناجحة بين الكاتب العربي الكبير وبين المتلقي الصغير؟ متى ينجح في تحقيق التواصل بينه وبين الطفل؟ …
هناك طبعا مجموعة آليات لتحقيق النجاح (سنتحدث عنها إن شاء الله في مقالات مقبلة) على الكاتب أن يتقنها، مع إطلاق العنان لموهبته ولخياله وللغته لتتواصل مع الطفل …
مجموعة من الكتابات الموجهة للطفل تعاني من الضعف الشديد، لا أريد أن أطرح أسباب ذلك لأن المقال سيطول، ولكنني أتعامل مع هذا الضعف كواقع أراه كلما تصفحت كتابا موجها للأطفال … طبعا اللاكمال مسألة إنسانية طبيعية، وكل عمل مهما برع صاحبه تعلوه نقائص لا محالة.
سألتُ في هذا الصيف طفلة نالت المرتبة الأولى في قراءة الحكايات –على مستوى الْحيّ-: أيّ الحكايات أعجبتكِ؟ فذكرتْ لي –كما كنت أتصوّر- أنّ أفضل الحكايات التي قرأتْها هي: (سندريلا) و(ذات الرداء الأحمر) و(أليس في بلاد العجائب) و(عقلة الأصبع) و(بيتر بان) … ثم سألتها: وأي الحكايات لم تعجبك؟ فذكرت لي حكاية كاتب عربيّ معروف، فسألتها: لماذا لم تعجبك حكايته؟ قالت: لأنها حكاية طويلة جدا. سألتها عن القصص الديني: ألم تعجبكِ؟ (وكانت قرأتْ: حكايتيْن منها: “أصحاب السبت” و”أصحاب الجنة”) أجابتْ: لمْ أفهمْها. (الطفلة تدرس في الخامس ابتدائي، عمرها حوالي 12 سنة).
أيها السادة أظنّ آن الأوان أن نتجاوز العمل العاطفيّ الخاصّ بالأطفال. ونقدّم لأطفالنا كتابات تُوازن بين المتعة والإفادة التي تروق لهم. وتكون هذه الكتابات في مستواهم ومائدة ناجحة (ومقياس نجاحها هم الأطفال أنفسهم) لوضعها في الصفحات وفي مختلف الشاشات …
- أطفالنا بين إشكاليتَيْ ضعف القراءة وضعف المقروء
- التعليقات