وضعت الحرب أوزارها .. وتركت خلفها بعض المخلّفات .. كصناديق الذخيرة الخشبيّة .. التي تُرِكت في الأرض الخلاء من خلف بيتهم أكوامًا .. وفي هذه الظروف التي أورثتها لهم الحروب المتتالية .. كان لا بدّ وأن تتهاوى كومات الصناديق ساعة بعد ساعة .. ربّما كان الصندوق الذي يجره أضعاف وزنه .. ساعد الجميع في تحطيمه وهم يشعرون بمتعة غريبة .. إنّهم يهدمونه ليعيدوا تشكيله من جديد على شكل رماد .. وضعت والدته قِظان الماء فوق المنصب .. وبدأت تحمّمهم حمّام الجمعة .. كان يشعر بعبقٍ غريبٍ للنار .. فهذه الأخشاب التي تتهاوى تحت وطأة النيران كانت بالأمس القريب عدّة وعتاد .. كانت ذات عناد .. كبرياؤها الرفيع والراقي لا يُخدش .. وها هي أمام ناظريه كعملة نادرة تذوي وتذوب .. تصبح رمادًا يوسّخ الجدران بالشعارات الغريبة .. وكأنّه يأبى إلا أن يظلً مناضلًا حتى بعد أن لفظ الرمق الأخير .. كان الرماد يتشكّل على الجدران شعارات مناهضة للاحتلال الإسرائيلي وأتباعه دون أن يتذمّر .. لم ينتصر في المعركة .. فلا بأس له من أن يُذٙكِّر بالنضال .. كانت الرائحة تخترق خياشيمه .. وتمرّ عبر عينيه فتسيل دموعه من أنفه .. هو لا يبكي .. من أين جاءت الدموع ؟! ربّما هي دموع الأخشاب الحزينة .. شعر بتقلّص في معدته .. هل تحزن الأخشاب .. هل يعلم الرماد أنّه كان خشبًا يحمي ذخائر جيش أصحاب الأرض .. شعر بالعطش والماء يغلي أمامه .. خشي أن يدخل البيت .. فتجزره والدته الحنون .. حنون في كلّ شيء إلّا في الحمام .. يكاد ينخلع رأسه وهي تجذب الملابس الضيّقة التي توارثها عن إخوته الكبار .. كان الماء الساخن يهوي على جلده الناعم الرقيق .. فيسبّ في سرّه كلّ شيء حار .. كانت الليفة الخشنة تتلذّذ وهي تأكل من جلده العذب .. لم يكن يتلذّذ في كلّ هذه المعركة .. إلّا عندما كانت الليفة تتمشّى بين رجليه الدقيقتين .. وعندما تحضنه والدته وتقبله بعد الانتهاء من هذا العذاب .. كأنّها تعتذر له عن هذه الآلام والأوجاع .. مثل الغيوم تعتذر للأرض الذابلة وهي تسقط عليها من أعلى مقام في السماء .. هو يذكر كلّ ذلك ونسي أن يخبرنا أنّ بعض الرصاصات الخائفة كانت قد اختبأت بين الأخشاب التي كُتِب لها أن تصبح رمادًا .. وأنّ بعض هذه الرصاصات كان مقدّرٌ لها أن تخترق القِظان فتتسرّب منه المياه التي أطفأت النيران التي اقتربت من الرصاصة التي كانت متوجّهة نحو قلبه الصغير ..

أضف تعليقاً