هجرت المسجد وما عادت تؤلمني لسعات سياط أبي ذي القبضة الخشبية، ولم تذرف من مقلتيّ دمعة واحدة، أتعلمين أقذر شيء في الوجود؟؟ أن يأتي الفاجر قديسا..لقد جاءني سالم مرتديا عمامته مسبغا على جسده عطرا من سواك، ليرشدني ويخرج الجن الذي تلبسني.. نظرتي إليه مليئة بالازدراء وبصاقي الذي جمعته من كل جسدي كان ذو رائحة ولون مائل للصفرة الداكنة، ومضيت أقطع الطريق جريا يطرق سمعي استعاذتهم بالله مني.. وأبي وكل من في البيت صغيرا أم كبيرا يتوعدني بعصا تدمي جسدي فلا أرجو من بعده شفاء.. لم أدر كيف أرتدت فراشي أمنا مطمئنا بعد أن كادت فجاج النور أن تشق طريقها إلى العتمة، إلا أن ضوء السراج كان قويا من حجرة أبي ونشيج عمتي يذوب في أذنيّ بين حين وآخر.. ما أدركته جليا “أن أبي يتوعد عمتي بالعقاب إن هي رفضت، وأمي بينهما تهدئ من روع عمتي وتذكر أبي بالصلاة على النبي..واسم علي المحمود يسقط بين كل كلمة ويذرف مع كل عويل.” أدركت حينها أن صيد علي المحمود ذي الستين عاما هذه المرة كان عمتي، بعد أن خرجت القرية قبل بضعة أيام لدفن زوجته الرابعة، والتي لم تتجاوز أوراقها العشرين، تعددت الأقاويل التي تناقلتها الألسن والتي برع خيالنا بتشخيصها..”لقد قتلها ومزقها ولم تستطع الداية أن تمنع بحر الدماء النازفة منها..” لقد كانت تلك المسكينة واحدة من بنات راجح العشر، التي اختارها لتكون زوجة تتبع زوجات قد قضين..
ربما نسيت القرية منظر زينب وقد خرجت من بيته يسترها شبح الليل وقد غشي الغمام نور القمر، وقد حلت شعرها وقد كستها حمرة دامية تقطر من كل جسدها، صراخها وهذيانها أيقظ سراج أهل القرية ونوره يبحر على صفحة من خدوش عميقة ودماء، ولم يستر جسدها إلا رداء أفترسه وحش ضاري، آوتها حينها نسوة القرية لكن النهار أخفى أثرها ولم يدر أحد عنها بعد ذلك شيئا. صراعات تدور رحاها على أرض الضعفاء.. بما كان يفكر أبي؟؟ ما الذي سولته له نفسه فعله؟؟ ولما اختار علي المحمود أن تكون عمتي صفية ضحيته القادمة؟؟
لم تكن عمتي صفية إلا فتاة كبقية فتيات قريتنا، بجديلة طويلة تتعدى خصرها النحيف، و عينين كحيلتين لا تخلوان من أحلام بزوج وبيت.. بحبيب تشعل له حياته بقناديل من نور وحب… لم أعهدها يوما غير غارقة بأعمال البيت، دون ذلك الكم الهائل من الملابس المتسخة وبين القدور وعلى رأس المعجن وعند الفرن تطبع بيديها رغيف الخبز، لم تكن عمتي صفية لتركن في مكان واحد بل كانت الحياة نفسها قبل أن يستحيلها علي المحمود إلى مومس..نعم الحياة مومس، ومن قبل أن تعشق صبري ويرق قلبها له، دون أن تعلم أنه رغم حسن سيرته في القرية فحقيقة عشقه لابنة المختار..لم تظهر للعيان بعد، تتساءلين كيف لي أن أعرف تلك الحقيقة ولم يعرفها أحد؟؟ ألم أقل لك عزيزتي جين أن القدر قد سير لي سيرهم، وقدر لك ذلك ربما قبل أن أمزق كل الحروف المتكدسة في رأسي وأنثرها في بحر يسمى النسيان، أو أصهرها في بركان لتقذف حمما تلسع الناس بأكاذيبهم؟؟
كان تلاقيهما في مغارة الضباع أعلى الجبل تبعد مقدار ثلاث ساعات من النهار للوصول إليها، ليلة السبت عرفت بهما، كان ذلك منذ أمد لا أخال ميعادهما قد تغير!!….
لا أدري كيف عرفت ذلك السر؟؟ لكنني أذكر جيدا أنني كنت أسير بين حجارة الجبل وصخوره لأنقش على كل صخرة لم يصلها أسمي، ربما وحدتي هي من جعلت شرودي بين دمامل وثآليل الجبل أمرا له نكهته، فلم تكن ذات لون واحد وإن أختلف ملمسها وحجمها، كنت مختلفا عن الذين رضوا بالحقيقة على علاتها وسلموا أمر بقاءهم في الأسفل. لم أدر كيف انقض النعاس على ما تبقى من يقظتي ورحت أنبش تحت الصخر وأنبش وإذ بي لا أرى سوى الظلام يتلقفني في تلك الحفرة، وضحكات تنال مني من كل صوب فتقبض قلبي وتقبضني متعثرا إليها.. فقمت من غفوتي فزعا وبيدي قبضة من أشواك، نالني من لسعاتها ما جعلني أقبض على جمرها وقد تنادى إلى مسمعي حينها في الثلث الأول من الليل وهزيعه ضحكات أنثوية، لم يكن في الجبل المترامية أطرافه سوى القسوة والخوف ومقابر الجبناء، نزعت الأشواك من يدي وكلي مشغول بتتبع ذلك الصوت، حتى تراءى لي خيال إنسي على ضوء مشعل صغير. في مغارة الضباع طيف من شراسة وقد كانت شراسة البشر عندي أشد فتكا من شراسة الضباع، عندما اقتربت من تلك الفسحة الضيقة بين الصخرتين المتعانقتين ككبش وقد انقسمتا إلى نصفين، حيث يمكنني أن أرى في ما وهبني إياه المشعل صبري وابنة المختار ، كيف لي ألا أعرفها ووجهها وجسدها الغض تعرفه كل القرية؟؟ لقد غدوت شاهدا على تلك القبلة التي انطبعت على خدها وهي تتماوج بضحكتها، عندها اقشعر بدني فانقضضت على نفسي أهشمها بنحيب عميق وأنا ألعن ذلك اليوم الذي قدر لي فيه أن أتعلم فن الوحدة ..لما عليّ أن أتعذب بحمل أسرار لا تقوى على حملها الجبال؟ عندما رفعت رأسي ثانية لابتلع نشيجي كان النور قد ذهب وذاب السكون في وحشة المكان، خالجني شعور وأنا أنزلق من الجبل ككتلة من الوحل، أني رغم كل شيء اختبر كل موطئ لقدمي حتى في العتمة..منيت نفسي حينها أن ما رأيته كان أضغاث أحلام، و مع الأيام أبصر وهن عمتي صفية وهي ترسل نظرها إلى البعيد، ويزيد شرودها وهي تبتلع غصات وحسرات ثم تبتلع ضحكتها، وتمسح بطرف ثوبها دمعة قد انزلقت من عينيها وهي تراه بعيدا عن البيت عند الشجرة الخروب العتيقة، فتعرج إليه ليتسمرا متعانقة عيناهما كتمثالي تمر عسلي، يصيبه قطر من آمال حين يغلظ لها الأيمان: “أنه لم يعشق امرأة سواها، ثم يسهب بنظم شعر غزلي أوهن من بيت العنكبوت، كم أحمد الله أنه لم يمس شعرة من جسدها!! فعمتي صفية أقدس من العفة ذاتها.. لكني رغم ضعفي وقلة حيلتي لن أقوى على الصمود أمام حزنها وانكسار قلبها.. كم عليّ أن أتحمل وأنا مسيّر في مركب يمخر عباب الرمال بلا أشرعة والهبوب تلفحه.. تقلبه رأسا على عقب؟!! كم عليّ أن أحفظ من الأسرار حتى أحقن نفسي بحقنة من عدم الاكتراث؟!!.

أضف تعليقاً