داهمتني خيول الذاكرة مخترقة جدار زماني ..
هناك داخل مضافة أبي ..
وهو يتصدر المجلس فارضا هيبته ووقاره كملك يجلس على عرشه
أمامه منقل نار متجمر يئن من حمل أواني القهوة العربية بعبقها الشهي …بيده ملقط طويل يقلب به الجمر وله فيه مآرب أخرى.
القهوة العربية هي المشروب السائد و المفضل عند أهل القرية والضيوف من القرى والمدن المجاورة .
كان أبي بعيدا عن التعليم والتحفيظ ودودا عطوفا.. نستقي منه الحكمة والنصيحة…
الوقت قبل الغروب بدأ درس التحفيظ لأخي ذي
العشر سنين , أبي يغضب كثيرا إن لم يحفظ الدرس ,
ولا مساومة معه بالحفظ .وأنا أرتعد خوفا عندما يخطئ في القراءة..
لقد حفظت الدرس في سري لكي أساعده وألقنه بصوت خافض قبل أن تنال ضربات العقال من جسده النحيل.
رغم انه أخي يدعي الخوف ,إلا انه يقضي وقته في صيد العصافير وتسلق الأشجار وضرب حمار عمي أبو اسعد.
كذلك أبناء الحراث أبو طافش لم يسلموا من ضربات “النقيفة”…لعبته المحببة التي لا تختفي من بين يديه إلا عند الدرس ..كنت أشفق عليه كثيرا ..
كان حزني على أخي جراء ضربه وبكائه يقودني إلى تساؤل وحركة فكرية سرية .
لما هذا الإصرار على حفظ” قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يولد” ؟
قادني تفكيري إلى أن أبي هو الله …!
لم أكن أحبه لأنه متسلط وقاس ..
وهو الذي حرم أمي من أهلها وجاء بها إلى غربة تجعلها تبكي كل عيد أو أي مناسبة مفرحة ,هاهو يبكي أخي أيضا لعدم حفظه
كلام غريب لا افهم منه سوى أنه يمدح نفسه ويمجدها …
أبي لم يلد ولم يكن له في حياتي كفوا احد ..فقد كان أبي قويا غليظا لا يقف في وجهه احد …انه هو واحد احد.. هاهم أعمامي ….وأمي ..ونساء البلدة
وأبناء عمومتي.. حتى صديقه أبو سعيد …. كلهم يخافونه
ويحسبون له ألف حساب ..ولا يجرؤ احدهم على مخالفته الرأي ..
وكذلك الضيوف يصطفون خلفه بوقار وخنوع . ولا احد ينبس
ببنت شفة …هو يقرأ وهم يرددون آمين…..
أخي وأنا نصطف خلفه ونقوم بحركات
العبودية التي يقوم بها زوار المضافة المصطفين خلفه .
كان أبي يبتسم لنا في النهاية ابتسامة المنتصر .
و يكافآنا بأن نبقى تلك الليلة ننعم بدفء فروته الشتوية ونستمتع
بقصص الضيوف الشيقة.
إن الله حنونا ودودا يحبنا كثيرا إذن لماذا يقسو على أخي ويضربه؟
لم تغب عن ذهني قسوته وحنانه وابتسامته النادرة الحدوث.
إلا ذاك اليوم الذي حضر فيه رجال البلدة وكبارها معزين إخوتي وأعمامي قائلين
:الله يرحمه !
منذ ذلك الوقت فقط عرفت الفرق بين أبي وبين الله .
مديحة الروسان