..فجأة، صار الزحام، في عيني، على أشده حول طاولة الغذاء. كأن الواحد صار يأكل بيدين، ويلقم فمين، لقمتين دفعة عوض لقمة واحدة، بينما الطبق المسكين يرتعد في مهب عاصفة من الأيادي الشرهة، التي تتوعد بلحسه سريعا ليعود الى المغسلة من جديد ! توقفت عن الأكل، بعد أن انغلقت معدتي كباب دفعته الريح فجأة، وجُلت ببصري بينهم كأني أراهم أول مرة ! لكن عددهم كان هو نفسه، ولم يزد عليهم فرد واحد، كما أن عدد الأيادي كان هو نفسه، وكذلك عدد اللقمات الصاعدة..الى اللاعودة. الأشخاص نفسهم الذين أقاسمهم طاولة الأكل وماعليها كل وجبة : الأولاد الأربعة، الزوجة، الأب، الأم، وأخت في مقتبل الزواج ولم تتزوج بعد !
مسحت عيني لأسقط منها صور الأيادي المتدافعة، في زحام، بلقمات لاتتوقف كأن جيشا من نمل يجرها الى الكهوف العميقة. أحسست أني على غير مايرام، فنهضت عن الطاولة، وأسرعت مغادرا الدار، تاركا ورائي علامات التعجب والإستغراب وهي تتكسر على جدار الحيرة، دون أن أستطيع نطق كلمة واحدة، إذ كنت أشعر أني سأتفتت شظايا لو فتحت فمي لأتناثر قطعا بعدد الحروف التي تكون جسد العبارة، وهربت..!
كان المطر قد توقف منذ ساعات، والغيوم قد تمزقت، مما أتاح للشمس أن تأخذ أطول نفَس ممكن من إطلالة مشرقة بين غيمتين. فسلكت ارضا رملية، إتقاءا للوحل، وانحدرت جهة قاع أخدود تحوطه أشجار الزيتون،حيث يمكنني الإختباء عن الريح التي تنقل وتوزع البرد على كل الأمكنة. أشعلت النار، بعد ان جمعت كومة من الأعواد اليابسة تكفيني لقضاء اطول وقت ممكن. وتمنيت ان لاتقذف الصدفة، أو القصد، بأي أحد الى حيث أنا؛ إذ كان السبسي وحده ، في تلك اللحظة، قادرا ان يملأ وحشتي أُنسا. وكنت في غنى عن أي كلام..إذ ماجدوى الكلام..جعجعة بلاطحين، ومن الجعجعة لن تعجن خبزة، ولاحتى لقمة !؟ والأفواه، الأفواه التي تتبعني أينما هربت، هل أطعمها الكلام ؟ وعوض خبزة من طحين، أضع بين فكيها كلمة خبزة التي من عجين الحروف في قصعة الكلام؛ لكن في فرن القول لاينضج غير طبيخ من خطاب، والمعدة ليست مكان الخطاب..فتبا لكل الخطب أمام قصعة تتساءل عن عجين الغد ؟ لهذا كنت راغبا عن الكلام، كما عن سماعه. إذ لم ينفع كل الكلام الذي اندفع من بين شفتي طيلة سنين وسنين، في إضافة ملمتر واحد الى طول يدي القصيرة أصلا، بل ازدادت قصرا مع مرور الوقت، كأنها كانت تتٱكل في غمار العمل اليومي الشاق الذي وجدت نفسي محكوما به كالدابة بأثقالها ! نعم كانت تتٱكل، وهذا ليس غريبا، فلقد رأيت فؤوس الحديد ( الحديد الصلب نفسه) وهي تتٱكل مع الإحتكاك المستمر بالتراب والحجر طيلة السنين ! لقد تٱكلت، وصارت أقصر، وهاهي لاتطال ماكانت تطاله من قبل، إذ بالكاد تبلغ أساسيات الأساسيات، فكيس الطحين أصبح كيس هَمّ لايفرغ، والإبريق نفق في ٱخره لهب حارق، بينما قالب السكر خازوق مزمن في عُمر غير محلى، أما الطنجرة فأحكمت ضغطها علي وشحنت عروقي بالبخار. فأصبحت غير قادر على حمل قفة تزداد ثقلا..وضحالة، وعلى تحمل جيب يزداد تقلصا ويلتصق بالجلد أكثر، رغم أن تعبي يزداد وكدي يتضاعف. لكن الأفواه التي تنتظر ان أطعمها، لازالت تنتظر. بل أضحت تتطلب أكثر، وتزداد شراهة مع تعمق القلق حول لقمة عيش تتأرجح على حبل الغد، القلق الذي تستشعره كل نفوس أفراد الاسرة، وتنقل عدوى دبيبه بين بعضها البعض، فيتحول الى أصابع متوجسة تتخاطف لقمة الحاضر قبل ان يخطفها غد بلالقمة ! لهذا صار القلق أخطبوطا من أفواه يلتف حولي، ولامهرب لي منه، أينما ذهبت، إذ حيثما وليت وجهي ثمة فم فاغر : في الدار حيث الاهلُ أفواهٌ تقضم من أصابعي ومن روحي، في العمل حيث المُشغل اليومي فم شره يمتص من ماتبقى في طاقتي أكبر كمية ممكنة، في السوق حيث فم من غلاء أعمى بأنياب قاطعة كأنياب الضباع التي لاترحم، إضافة الى الأفواه التي تشبه فمي وأفواه أهلي، والتي لن تتوان عن القضم من لقمتك السقيمة إن وجدتْ فرصة سانحة ! لهذا كانت تلك الافواه تلاحقني حتى في خلوتي تلك، حول نار لاتشبع أيضا، وتدور حولي كضباع جائعة، أهشها بالسبسي، ودون ان تغيب عن ناظري ! ومع هذا كنت أتمنى ان لايراني أحد، ويقتحم خلوتي تلك..في قفر من أفواه لامرئية. لكن قامة أحد جيراني إنبثقت فجاة من بين جذوع أشجار الزيتون، وأطلتْ بطلعتها غير الميمونة، كأنها جاءت تتبع هدي الدخان الى ان دلها عليّ، الدخان الفاضح الذي إرتفع عاليا ليفشي أني هنا، وجاء بهذا الجار المهذار، والذي ربما كانت تطارده الافواه مثلي ! لكنه وماإن سلم علي وجلس قبالتي، على خط النار، حتى فتح فمه، وصار يهرش أذني. ولاني كنت عاجزا عن تحمله واحتماله كثيرا، سرعان مانهضت يائسا، ونزعتُ أذني في جنون، وانصرفت دون كلمة، بعد أن ألقيتها في وجهِ فمِه الذي كان قد انفتح على مصراعيه !
- أفواه
- التعليقات