مسني الحنين إليها ذات مرة، وأنا أرنو إليه يقضمها في نشوة ولذة، وهو جالس على كرسيه في المقعد الأول من الفصل بين الحصتين.. أخذني أن أذهب وأتقرّب إليه بكل ود، ونقيم علاقة صداقة بيننا، ولكني تراجعت وأنا يسرقني التيه مشدوها محلقا في جمال أنس فكرة التقرّب، وبلوك لساني عسل حلاوتها.. مبتسما كنت. تمطيت بكسل وأنا ممدد ذراعيّ على الدسك رامي رأسي الثقيل عليهما من خدر النشوة.
بت أرسمها دوما في كراسة رسمي، وأنا حريص كل الحرص على قلمي “الفليو ماستر” بلونه البني الغامق. ملأت بها جدران طريق العودة والذهاب إلى المدرسة.. ذقتها مرة بعد مئة مرة من لصق عينيّ في زجاج “فاترينة” أقرب بقال بجوار المدرسة، وهو يتتبعني كل يوم في حذر.. وكل مرة يتوه في عينيّ يستقرأها على مهل.
ناداني ذات يوم وهو يمسك في يده واحدة.. يلوّح بها أمامي:
ـ فرّغ قفص البيض في سلّته.
على الفور وضعت كل البيض في السلّة وحصلت عليها، أخذت جانبا من الرصيف وقضمتها مثله.. مثله بالضبط.
في صباح اليوم التالي قبل الطابور اقتربت منه وحييته في كبرياء، وأنا أتجاهل النظر إليه.. نظر إليّ في دهشة ومضي حيث رفاقه الذين يشبهونه.. ابتسمت وطرت أقفز حاجلا على قدميّ، وأنا أقبض على نشوة أمس.
باسما دوما وجهه، وشعره الأصفر الناعم الساقط على جبهته فوق عينين واسعتين كاحلتين تظللهما رموش كثيفة، وبشرته ناصعة البياض، ووجنتيه الحمرواتين، وحلّته المدرسية الأنيقة.. من خلال عينيّ الضيقة المجهدة، وبشرتي السمراء، وشعري الأكرت، ومعالم حرب الأولاد في عراكهم معي دوما على ملابسي، كان يقارن بيننا مدرس الرسم، وترن الجدران من ضحك الأولاد كلما أشار إليّ بإصبعه القوي السميك وأنا أحصل على نصيبي من المقارنة.. انتهى النزال بقهقهته بكل جرأة ودمعتين ملتصقتين في مقلتيّ.
كانت جائزتي قطعة شيكولاتة من يده عنوة في نزال آخر من مدرس الرياضيات عندما أجبره على ذلك.
بعد عشرات السنين غيرتنا السنين، وتقدمت إليه بعلبة شيكولاتة، راجيا من الله أن يحظى بعنايتي، وهو مديري الجديد القادم “ترانزيت” من الصفوة التي تدير أمورنا.