في زاوية قصية لتلك الغابة المترامية الأطراف ،اختارت مجموعة اللقالق دغلا كثيف الأشجار، وبنت أعشاشها فيه،واتخذته موطنا لها.
عندما كبرت الفراخ قليلا،بدأ كبار اللقالق يعلمونهم الطيران في حدود موطنهم، خوفا عليهم من الضياع،ومن مخاطر الآفاق الجديدة التي يجهلها الكبار،كان تدريبهم،وتركيزهم منحصرا في كيفية الحصول على الغذاء، والحاجات الضرورية لاستمرار وجودهم ضمن نطاق مجموعتهم التي يعيشون فيها.
ذلك اللقلق ذو الريش اللامع كان يطير بمفرده إلى مسافات أبعد، شده نور متوار خلف ظلال بعيدة ، قاده الفضول لمعرفة مناطق أخرى . شغف بداخله لم يستطع تحديد مصدره،كان يحثه لمتابعةاكتشافاته بعيدا عن أعين الرفاق والرقباء.
صفق بجناحيه فرحا لدهشة ما رأى من أشياء لم يرها في مكان عيشه.
ذات طيران هبت الريح بقوة، وكسرت جناحه، تألم وقرر عدم التحليق ثانية إلا في الأماكن التي حددوها لهم، فهو لو كان يملك جناحين قويين مثل نسر، لاستطاع بسهولة التحليق إلى فضاءات جديدة لم يشاهدها أسلافه، أصابه اليأس والإحباط، مرات عديدة ندم على رحلاته المنفردة،لكنه لم يكن راضيا على ما آلت إليه حاله. كنه فجر يوم جديد عاودته الرغبة وتجديد المحاولة، هذه المرة وقبل القيام بأي خطوة، فكر مليا، ودرس قدراته، وكل الاحتمالات ،والسرعة المطلوبة التي تتناسب وسرعة الرياح، ليضمن تحليقا وهبوطا آمنا. فسلامته ضمان المتابعة.
وصل إلى عوالم جديدة،دون ملاحظاته،ابتكر طرقا أكثر أمانا،ومتعة وفائدة.
ذات غياب علم كبار قومه برحلاته السرية،فاجتموا ليتدارسوا في أمره،ويقرروا مصيره.
فهم عادة لا يجتمعون إلا لأمرين:إما التكريم، وإما الطرد. ويا لحظه العاثر فهو بعرفهم قد خالف العادات والتقاليد التي تحدد منطقة الطيران،والهدف منها .
كان قرارهم بالإجماع بطرده فورا،دون أن يسمحوا له بالدفاع عن نفسه،أو شرح سلوكه،ولماذا فعل ذلك.
كانت رغبته كبيرة بأن يقول لهم،أنه يسعى لتوسيع نطاق بيئتهم،ومعرفة أكثر الطرق أمانا للوصول إلى حياة أفضل.
غادرهم بصمت،وفي عينيه حزن ،و بصدره غصة.
انتقى مكانا مرتفعا وعاد إلى تدريباته،واكتشافاته ووصل إلى عوالم لم يكن ليتخيلها يوما،ولم يحلم أي من بني قومه الوصول إليها ،هم الذين يعيشون يومهم كأمسهم ،وغدهم كيومهم لا يتغير فيه شيء.
لكن الحنين لقومه،ورغبته بتعليمهم كل ما توصل إليه، دفعه للعودة. على أطراف الحدود التقى بلقلق صغير يحاول الطيران وحده، ثم التقى بآخر يهم بالابتعاد .جمع اللقالق الصغيرة التي ترغب بتعلم الطيران مسافات أبعد ،وبدأ تدريبهم .اتسعت الحلقة، وازدادت الأعداد، وصار ومن معه يشكلون خطرا يهدد أمن وراحة المتخلفين منهم.
في هذه المرة لم يطردوه ، بل حاولوا قتله،لكنه بفضل مهارته وخبرته التي اكتسبها نجا، وظل يحمل لهم في قلبه محبة عميقة وصادقة،وعندما سئل عن سبب محبته لهم رغم محاولتهم قتله،أجاب:( الخير الذي في أعماقهم بوصلتي، سأعمل كل ما بوسعي للوصول إلى جوهر الحب في داخلهم….) .
وقبل أن ينهي كلامه، ومن بين الحدود الفاصلة بين الظلام والنور، رآهم بلباسهم الاسود، يخبئون شيئا بداخلها ، ويسيرون باتجاهه.

أضف تعليقاً