ينفخ فيه من روحه المحزونة؛ فتبوحُ قصبتُه بأنَّاتِ صبابته شجنًا حارًّا، يتفطَّرُ له قلبي وهو يصيخ السمع من البَرِّالآخر للترعة.. أغاني الفرَح والإيقاعات الراقصة تسري من المكبر البعيد تحملها أجنحة هواء العصاري .. تقطعها زغاريد النسوة بين الفينة والأخرى .. تنحدر شمس المغيب متواريةً خلف حقول الأذرة الممتدة .. في اتفاقٍ ضِمْنيٍّ مع الغروب تُدوِّي الأعيرة النارية في الهواء ابتهاجًا، معلنةً انتهاء المراسم، وبداية الزفاف .. يزداد إيقاعُ الطَلَقاتِ صخبًا .. على الضفة الأخرى؛ تتقطع أنفاس الناي، حتى يلفظ آخرها.. تعتصر يدُهُ القصبةَ ؛ فتهشمها في نوبة غياب ..
تصمت الأعيرة .. تتعالى ـ على أثرها ـ دقَّاتُ الدفوفِ، تتوالى كأنما تلبَّستها الجِنَّه .. نحيبٌ يعلو، تتقاطع معه آهاتٌ مكلومةٌ، يأتيان من البَرِّ الآخر، يشتدَّا كلما اشتدت الدقات .. صيحةٌ مذبوحةٌ تهتكُ أستارَ المساء، يتردَّدُ صداها في الفضاء المترامي:
ــ ليْلَى .. إلى أين ألقَى بك أبوك …؟
.. يغتال الصمتُ كل الأشياء؛ إلا من أناتِ نايٍ تأتي من بُعْدٍ سحيق ..

أضف تعليقاً