_حينَ اعتليْتُ قمةَ الصارِي، تعلقْتْ أنظارُ الركابُ بِالصرةِ التي كانتْ بِيدِي، مترقبينَ ما أنا فاعلٌ بها، وحينَ شرعْتُ أرمِي الدنانيرَ، تعالَتْ هتافاتُهمُ الغاضبةُ.
سكتَ القردُ لِيبلعَ ريقَهُ، وقدْ أعجبَهُ؛ أنه استحوذَ على انتباهِ الجميعِ، فزأرَ الأسدُ؛ يستحثُّهُ على استكمالِ الحكايةِ، بينما سكتَتْ باقِي الحيواناتُ؛ كأنَّ على رؤوسِها الطيرُ، اعترَتِ القردَ رِعدةٌ مفاجِئةٌ، ثم تشجعَ، واستأنفَ حديثَهُ:
_في مُستهَلِ ليلةِ السمرِ الشهريةِ بِالغابةِ، يسرُّنِي أنْ أسردَ على مسامعِكم هذِه المغامرةَ، التي نتوارثُ؛ نحنُ معاشِرَ القِردةِ، الفخرَ بها والتي كان بطلُها أحدَ أجدادِي العظامِ!
(هنا كتمَ البعضُ ضحكةَ الاستهزاءِ، التي كادَتْ تفلتُ منهُ، وارتسمَتْ على وُجوهِ الباقينَ أماراتُ الدهشةِ، متعجبِينَ من جرأةِ القردِ، على التفوهِ بمثلِ هذا القولِ؛ في حضرةِ ملكِ الغابةِ، مُكبِرينَ حلمَ الأخيرِ عليْه، مستنكِرينَ أنْ يوجدَ في أجدادِ القردِ؛ منْ يوصفُ بِالعظمةِ).
قالَ جدِّي:
_كنتُ مملوكًا؛ لِأحدِ التجارِ الأثرياءِ، لكنَّ الرجلَ لم يكنْ ممَّنْ يخافُونَ اللهَ، فكنتُ أرَاهُ يشُوبُ اللبنَ بِالماءِ؛ لِيحصدَ ضعفَ الربحِ؛ غيرَ آبهٍ أنْ يكون حرامًا. ولم يكنْ في إمكانِي زجرُهُ عمَّا يفعلُ، فأنا كما تعلمُونَ؛ أعجمُ اللسانِ. كما أنني أحجمْتُ عن الإقدامِ على سكبِ اللبنِ المغشوشِ، لئَلا يضيعَ الصغارُ، فكنتُ أسكتُ على مضضٍ، والرجلُ سادرٌ في غيِّهِ؛ لا يرعَوِي. سكتَ القردُ ثانيةً، وجالَ بِبصرِهِ سريعًأ في الوجوهِ المتشوفةِ لِحديثِهِ، ثمَّ أردفَ:
_إلى أنْ جاءَ يومٌ، ركبَ فيه صاحبِي سفينةً، اجتازَتْ بنا النهرَ، لِيشتريَ بضاعةً من الجانبِ الآخرِ للبلدةِ، واصطحبَني معهُ، فما كان منِّي إلا أنِ انتهزْتُ الفرصةَ، وغافلتْهُ، وخطفْتُ صرةَ الدنانيرِ، وتسلقْتُ الصارِيَ بِخفةٍ.
وقبلَ أنْ يفيقَ من دهشتِهِ، رحتُ أفرِّقُ الدنانيرَ بِالسويةِ: واحدًا في الماءِ، وواحدًا في السفينةِ، والجميعُ ذاهلونَ، يظنُّونَ أنِّي ألعبُ، أو أنهُ قد مسنيَ عارضٌ مِن الجنِّ، لا يعلمون أني أعيدُ نصيبَ الماءِ إلى الماءِ، ونصيبَ اللبنِ إلى صاحبِي، الذي راحَ ينتحبُ على مالِهِ الضائعِ، وهو يتميزُ مِن الغيظِ، لِعجزِهِ عن استردادِهِ، مِن قاعِ النهرِ العميقِ.
فُتحَ بابُ المناقشةِ، فعلَّقَ الحمارُ بِصوتٍ منكرٍ:
_إنَّ القردَ نسِيَ، في غمرةِ تباهيهِ بِجدِّهِ، أنه ضُربَ بِهِ وبِأجدادِهِ المثلُ، في سوءِ الأُحدوثةِ، حيثُ مُسختْ أممٌ غابرةٌ على هيئتِهم، بعدَ أنْ غضِبَ اللهُ عليها. أمَّنّ الكلبُ على كلامِهِ؛ وهو يلهثُ، حدثَ هرجٌ ومرجٌ، وثارَ لغطٌ، ارتفعَتْ فيه الأصواتُ، واختلطَتْ، فحسمَ الليثُ الخلافَ بِقولِهِ: _أمَّا ما ذكرَهُ الحمارُ، وأمَّنَ عليه الكلبُ؛ فصحيحٌ، رغمَ عدمِ التزامِهما بِآدابِ الحديثِ، لكنَّهما؛ ليسا بِأحسنِ حالٍ مِن القردةِ، فقد ضُربَ بهما نفسُ المثلِ السيءِ.
انقسمَتِ الآراءُ -كما هِي العادةُ في أيِّ اجتماعٍ- فاستملحَ البعضُ الحديثَ، واستهجنَ آخرونَ ضياعَ الليلةِ؛ في التغنِّي بِأمجادٍ فرديةٍ؛ عفَا عليْها الزمنُ، بينما سوءةُ القردِ القبيحةَ لا زالتْ؛ مكشوفةً لِلناظرِينَ.

أضف تعليقاً