ماذا بقي فيك أيها الفنجان المرهق من شفتي كي تتمنّع ؟ ماذا أنكرت من طعمي على سواحلك المرة ؟ أعلم أنك مللت من ترقّب موعدي كل مساء ، مصحوبا بورقتي و قلمي ، و قلب طاغية أناني يريد أن يأسر روح الارتشافة و قد خلقتها نبضاتها حرّة ، أمقت فيك سلك السكّر المركّز الذي يحشر نهكته دون استئذان ، يتجاهل أنّه بإمكاني أن أنتقم منه بأبسط الطرق ، كأن أتركه يسقط مثلا ، لكنني أشفق على قهوتك و هي تتلهف لارتشاف بريق التجاعيد الفضية مرابطة من وراء زنزانة سحيقة .
أيتها الروح المعششة داخل الحرف المضروب عليه بنسج العنكبوت، ما هو قربانك كي تخرجي ؟ أي نوع من البخور تفضلين كي تصعدي متبرجة وقحة ؟ و بأي لحن من ألحان الحاوي تشغفين كي تظهري و أنت تتلوين في رقصتك الأبدية ؟ المصيبة أن من تجليت لهم يرفضون البوح بسر الغمزة و وخز الفضيحة ، كلهم يريد أن يحتكر سدانة رموشك عنده ، يخفيها حتى عن أبنائه ، لقد هزمت عاطفة الأبوة و البنوة ، و هزمت الشيبة النابتة على حواشي القلم ، و سحقت العرق المتصبب على جداول الصفحات ، لذلك ليس لديك عندي غير الذبح الفظيع الذي يفصل بينك و بين حرفي ..
من لي بخبير في تحضير الأرواح لأسأل أبا الطيب و أبا العلاء و الجاحظ عن شعائرهم التي تغريك بالبروز أمامهم دون حجاب كأنهم من ذوي الرحم ،في حين تتكبرين عليّ و على أمثالي الذين ينحتون على عروقهم تماثيل جذّابة لتسكنيها ، و لكنك تتظاهرين بالتوحيد وتُظهرين العفاف المتكلّف و في قلبك تهتّك الجاهلية الأولى، و مع ذلك يزعم البعض أني قد خلوت بك ذات سانحة ، المساكين لم يعرفوا حقيقة الخبر ، أنّك نركت عطرك على أزرار حروفي ، و بعض خصلات شعرك على كتف نقاطي .. هل كان ظنهم هذا عن حسن نية أو سوئها ؟ فليقولوا ما أرادوا ، فأنا ـ رغم الظلام ـ أعلم أن من خلوت بها لم تكن أنت و إنما شبيهتك ، و شبيه الأرواح يفوق الأربعين بكثير ، هو أضعاف الأضعاف ..ما كان من روحك من هذه الأجزاء فمن همهمات التناصّ المعتكفة في القفص منذ مراهقة الحبر في عملية المد و الجزر ، و ما ابتعد فمما سوّلت لي به القريحة المتساقطة الأسنان الصفراء الأمارة بالإسقاط.
اليوم ليس عندي ما أوشوش به إلى آذان الصفحة الصّمّاء ، مللت من تحريض قلمي على النميمة التي يمارسها على العرائس اللواتي ما زلن لم يتدربن على مواقف الخصام مع العجائز المنغّصات للمعيشة ، لن أمنحك العواطف المعدّلة جينيا لأنها ستلوّث أسطري ، و لن تنفعني تنهدات التطهير مهما كانت فواصلها فعّالة ..
- أمسية
- التعليقات