يرنَّ هاتف غرفتها.. بيدٍ مرتجفةٍ تحمل السّماعة، وتذوب كالشّمعة وهي تتجرّع السّمّ من ذلك الخبر القاتل :
-أمل أمُّك ارتحلت إلى دار الآخرة …!
ساعات الليل الكئيبة تلهث في أعصابها، وحرارة الصّدمة تحرق صقيع وجهها.. ثمّة مطرٌ غزيرٌ، ربّما من السّماء أو ربّما من عينيها.
تجلس أمام مرآتها، تحدّثها بلؤمٍ:
-لم يبقَ لك في الحياة يا امرأة سوى حطام ذكريات..!
تمسك بالمزهريّة، تقذفها باتجاه المرآة. تتطاير شظايا البلّور المكسور، تجرح وجهها ، وتنزلق بأجنحتها الشفّافة المتوهجة إلى صميم القلب فتدميه.
يوارب زوجها الباب، يقتحم عليها خلوتها، يقترب منها ليواسيها. يضع يده السّمراء القاسية في يدها الغضّة البيضاء، فيحفر في أثلام وجعها جرحاً جديداً. تنظر إليه بعينيها البرّاقتين كبريق النّجوم في السّماء، تناديه في لحظة ضعفٍ بإسم حبيبها القديم :
-سليم ماتت أمّي.
يصفعها بقوّةٍ.. ينطفئ بريق عينيها، و تصيرا كالسّراج الخامد .
تحاول أن تقف، لكنّ جسمها يترنح.. كلّ شيءٍ حولها يترنّح .. فتهمُّ بالسقوط.
تسأل جارةٌ :
لماذا أجبرها أبوها على الزواج من رجلٍ يكبرها بكثير؟!و لماذا سمح له أن يرتشف عسل زهرة الربيع التي ولدت مع ولادة الفجر في نيسان ؟!
تردّ أخرى:
– ربّما ليخلص من عارها، بعد أن كثرت الإشاعات عن حبِّها لجارها سليم، ولقائها المتكرّر به.
ترمقهنّ بنظرات ازدراءٍ، وهي تتسنّد على الجدران.. تصل بصعوبةٍ إلى منزل أهلها الكائن في نفس الحيِّ.
تقف عند سرير أمّها الذي مُدِّدت فوقه الجثّة.. ترتجف.. تنزرع في الأرض مثل جسرٍ واهي المنكبين.
ترتمي فوقها كأنّها مركبٌ ضائع، تحضنها بحنانٍ، تتحيّر في عينيها الواسعتين دمعةٌ كبيرةٌ. تصرخ وهي تتلوّى من الألم:
-أمِّي..! إلى أين يا حنونة؟ إلى أين ياكنفي الدّافئ الّذي نبتت فيه بواكير ريشي؟ !أرجوك لا ترحلي وتتركيني وحيدةً !
تفترش الرّصيف، تقلّب في ثنايا ثوبها الأسود صوراً مع أمّها في الماضي.
تكتم تمزقها وهي ترقب الجنازة ، تتبع بعينيها تموّجات الناس خلفها، ثمّة خيطٌ من الدّموع يحاول أن يتحرّر من سجن عينيها ، لكنّ طرفه مربوطٌ ببقايا من أهداب الرّوح..؟!
تذهب في غيبوبةٍ، تصحو على صوت طفلتها تداعب طرف شالها الأسود بأناملها الصغيرة . تحملها بحنوٍّ وإشفاقٍ، تنظر في عينيها، تحسّ بداخلها شعوراً غريباً يدفعها لأن تعدو مع طفلتها في الشّارع.. تستنشق للحظاتٍ رائحة الحياة، تسلم أذنيها لضحكات الأطفال المتناغمة والمتناثرة في فضاء الحيّ.
تنهض بقوّةٍ، تشدّ شالها حول رأسها، تلفّه بإحكامٍ، تتأبط حقيبتها الورديّة، ترمق زوجها بنظرات ٍ تلتهب الحيرة والغموض فيها، تمسك طفلتها الصغيرة بيدها، تسلّم ساقيها للمجهول.
رائحة احتراق الماضي تفوح في كلّ زاويةٍ من زوايا جسدها الهزيل.

أضف تعليقاً