عدت إلى منزلي مرهقا ومنهكا وجائعا، ممنيا النفس بوجبة وابتسامة دائفتين من حبيبتي تفيدة، ولكنني كنت واهما أو حالما، فطوال رحلتنا الزوجية لا أذكر ابتسامتها إلا عندما يكون لها طلب من طلباتها التي تنهك ميزانيتي، فكيف تخيلت أنا أنها تغيرت، بين صبح تركتها فيه ثائرة حانقة علي وعلى أولادنا بسبب إخلالنا بالنظام الدقيق جدا الذي وضعته لحياتنا، وبين ظهيرة عدت لها فيها منتظرا ابتسامتها؟
فما أن فتحت باب الشقة حتى أرعبني صوت بكائها ونحيبها وقد تخيلت أن أحد الأولاد قد أصابته مصيبة، وهرعت إلى الصالة وقد أوشك أن يغمى علي هلعا ورعبا، ويا لهول ما رأيت!
رأيت تفيدة وقد جمعت كل ملابسها الشتوية المصنوعة من الجلد والفراء في كومة كبيرة وتنظر إليها متحسرة مولولة.
ظننت للوهلة الأولى أن تفيدة وقد زاد وزنها، قد اكتشفت أن هذه الملابس المكومة أمامها قد صغر مقاسها ولم تعد تصلح لها، وأنها تمهد بدموعها تلك لشراء ملابس أخرى بديلة عن تلك التي ضاقت عليها، ورغم الألم النفسي الذي أصابني وأصاب جيبي لهذا الظن، فقد قلت لها محاولا التخفيف عنها:
…لا يكن في بالك يا حبيبتي غدا نشتري لك أخرى جديدة
ومن أجود أنواع الجلود والفراء..لا يهمك
وما أن انتهيت من كلماتي تلك حتى فوجئت بها وقد تحولت نظراتها الحزينة الكسيرة، إلى أخرى شرسة غاضبة بل أظنني رأيت نيرانا تنبعث منها، ولا أبالغ إن قلت أنني رأيت أظفارها قد استطالت وتوشك أن تغرسها في عنقي، لم أنطق بالطبع وقد أخرس الخوف لساني، و الحمد لله اكتفت تفيدة بجلدات لسانها وهي تصرخ في قائلة:
…أيها القاسي عديم الشفقة، طبعا تتخيل أن ثيابي قد ضاقت وأنني أريد أخرى بديلة عنها من جلود تلك الحيوانات المسكينة، يا لك من وغد شرير..أتريد أن تذبح حيوانات أخرى ضعيفة لنتفاخر نحن القساة بارتدائها، لا لا من اليوم لن ارتدي إلا الثياب القطنية فقط، لقد انضممت لجمعية الرفق بالحيوان.
وبقدر ما أسعدني ذلك القرار لأن تلك الثياب سواء الجلدية أو المصنوعة من الفراء كانت تذبح ميزانيتي ذبحا بقدر ما أحزنني لأنني مضطر أن أخرج معها في جولة قاسية ومكلفة لشراء تلك الثياب القطنية والتي ستكون رغما عني من أجود وأغلى أنواع الأقطان.
وبالطبع جبنت عن مجرد التسويف أو طلب التأجيل ففي ذات تلك الليلة خرجنا في جولة على أرقى محلات وسط البلد واشترينا لتفيدتي كل ما أشارت إليه وبالطبع أتت تلك المصيبة على ميزانيتي وامتدت لجل مدخراتي.
ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بعد أن عدنا إلى المنزل، طلبت منها على استحياء أن تعد لنا طعام العشاء، وأطاعتني مبتسمة، وذهبت ناحية الثلاجة، وما أن فتحت بابها حتى انطلقت صرخاتها بشكل أرعبني ثانية، فالمسكينة شاهدت اللحوم المجمدة وتذكرت أنها أيضا لحيوانات مسكينة، ليس مهما أننا نمنا هذه الليلة بغير عشاء المهم أننا، منذ تلك الليلة ولأيام لا يعلم عددها إلا الله وحده قد صرنا نباتيين.
في صباح تلك الليلة أيضا استيقظت، على صرخات تفيدة وقد اكتشفت أن أحذيتنا أيضا، مصنوعة من جلود تلك الحيوانات المسكينة، ومن يومها أيضا أصبحت أقدامنا لا تنتعل إلا الأحذية القماشية والبلاستيكية.
ظللنا على تلك الحال البائسة أياما وشهورا امتلأت فيها شقتنا بقطط وكلاب من الشارع تبنتها تفيدة رفقا بها وقسوة علي.
حتى كان يوم تلقينا فيه دعوة كريمة من السيدة فاتن رئيسة جمعية الرفق بالحيوان ولغبائي أوشكت أن اتحلى بالشجاعة وأرفض الذهاب لحفل تلك السيدة التي نغصت علي حياتي والحمد لله أنني لم أفعل.
فبمجرد ولوجنا لبيت السيدة فاتن أو على وجه الدقة قصرها حتى انطلقت صرخات تفيدة وسقطت فاقدة للوعي وهي ترى السيدة فاتن وكل صديقاتها يرتدين ثيابا مصنوعة من أفخر أنواع الفراء.
بعد أن أفقنها من غيبوبتها أقنعنها أن ديننا لا يحرم ذبح الحيوانات ولا أكل لحومها ولا لبس جلودها ولا فراءها وأن ما يفعلنه في الجمعية وما يقلنه هو نوع من البرستيج والدعاية ومجاراة للغرب ليس أكثر أما في بيوتنا نفعل ولبس ونأمل ما نريد.
وبالطبع اقتنعت تفيدة وانطلقت معهم وجرتني إلى المائدة العامرة بكل ما لذ وطاب من أنواع اللحوم.
وفي اليوم التالي جرتني جرا إلى وسط البلد واشترينا ثيابا وأحذية مصنوعة من الجلود والفراء عوضا عن تلك التي تخلينا عنها.
ولم ننس أن نمر على الجزار والسوبر ماركت واشترينا كل أنواع اللحوم ولساني لا يتوقف عن الدعاء:
…اللهم احفظ لي تفيدة.

أضف تعليقاً