قادتني الحياة مرة أخرى لمدينتها،فكرت وترددت كثيرا قبل أن أقرر أخيرا زيارتها بالفندق حيث تشتغل مديرة للاستقبالات،لم تكن تعلم بتواجدي في مدينتها ،لم أجد طريقة لأخبرها رغم أني مازلت أحتفظ برقم هاتفها إلا أنني لم أفكر قط في الاتصال بها أو ارسال رسالة قصيرة لها فقد تكون بحضن بعلها..
مساء السبت،الرابع من أبريل،عند الرابعة عصرا وجدت نفسي واقفا على بعد أمتار من باب الفندق،كنت أعلم أنها تغادر العمل كل يوم عند الرابعة والنصف لذلك فضلت أن أنتظرها خارج الفندق..كانت الرياح قوية والجو باردا جدا لذلك احتميت خلف أحد جدران مرآب الفندق إلى أن تخرج.
عند الرابعة وخمس وأربعين دقيقة فتح باب الفندق..جذبني معطفها الأصفر ووشاحها الأصفر،مازالت إذن تحب هذا اللون بعد كل هذه السنوات..وكعادتها تلبس نظارتها الشمسية السوداء…بقيت واقفا بمكاني أراقبها،نظرت لساعتها التي ترتديها بيدها اليمنى وكأنها ماتزال وفية لقسمنا ذاك المساء حينما هممنا بارتداء ما تجردنا منه فألبستها ساعتها الذهبية بيدها اليمنى وأقسمت لحظتها أن تبقيها بنفس اليد للأبد،وعلى نفس الأمر أقسمت أنا..
نزلت الدرج مسرعة الخطى وكأنها تأخرت عن موعد ما،بمجرد ما حطت قدمها على آخر عتبة في الدرج ،وجدتني أقف أمامها..تسمرت في مكانها و أزالت نظارتها وكأنها تريد التحقق أنه أنا :
– أنت ؟؟
– أحاول أن أكون أنا.
– علاش جيتي؟؟
– اشتقتك.
-s’il vous plaît je ne veux pas entendre ce discours et ne pas oublier que je suis une femme mariée.
كنت أعلم أنها لا تتكلم بالفرنسية إلا عندما تنزعج،حتى ملامحها توحي بهذا الانزعاج الذي ربما أنا سببه،إلا أني تظاهرت باللامبالاة..واقتربت منها متجاوزا مسافة الأمان بيننا،توقعت أن تخطو للخلف إلا أنها لم تتحرك،حينها تشجعت:
– هل صرت أزعجك سيدتي،هل أصبحت مصدرا لضجرك،أنسيت أني الأول والوحيد من نثرت في حقه شعرا،أنسيت أنك من أجلي غادرت مدينتك نحو مدينتي لسنوات ثلاث حيث كتبنا معا بأقلام وألوان كثيرة،أنسيت أني الوحيد من انهزمت عيناك لأجله..أنسيت كل هذا يا أمينة؟؟ماذا حدث،هل للزمن كل هذا الجبروت أم أنك خدعتني كل هذه السنوات …و كانك لست أنت لكني متأكد أنه أنا نفسه ،لم أتغير ،ما زال هذا القلب المشؤوم يحبك كما أحبك أول يوم رغم الشرخ الذي أحدثه رحيلك عزيزتي…
وأنا أخاطبها بهذا تقاذفت الأحداث متسارعة بمخيلتي فتذكرت كل شيئ بالتفصيل ، تذكرته كما لو أنه حدث أمس … كنت تلميذا بالسنة الأولى ثانوي،كانوا يسمونه جذعا مشتركا ،لم نكن ندرس بنفس الثانوية،لم نكن نسكن بنفس الحي ولا بنفس المدينة ،كانت بعيدة جدا ،تفصل بيننا مسافة سبع ساعات..كنت قد التقيتها صدفة في صيف سنة ما بقرية صغيرة في ريف المغرب ، كانت لحظة رأيتها أول مرة ترتدي قميصا أصفرا يكشف عن كتفيها و تنورة سوداء تكشف عن ركبتيها الصغيرتين،وبعد سنوات عندما سأراها آخر مرة سأجدها ترتدي حجابا شرعيا يكشف فقط عن وجهها..
أحببتها بداية في صمت ،أخبرت فقط مذكرتي ووسادتي ومحمد شكري الذي كنت أعلق صورته على أحد جدران غرفتي..بعدها بأيام أخبرت نجيب محفوظ أيضا بعدما قمت بقص صورته من إحدى المجلات العربية وعلقته بجانب شكري..وعداني معا أن يبقيا الخبر سرا بيننا ،وفعلا حفظا السر إلا أني عندما كنت أبكي كانا يكتفيان بمراقبتي ولا يبكيان معي..لاحقا وقبل يوم واحد من موعد مغادرتها القرية ،قررت أن أكتب لها رسالة أخبرها فيها بكل شيء،لذلك سهرت الليلة بطولها أنمق رسالتي،كان خطي سيئا فأعدت كتابتها مرات كثيرة إلى أن اقتنعت بشكلها أخيرا ،بدأتها ب ” الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء” وأنهيتها ب ” أحبك بجنون ..” ووقعت الرسالة باسمي مرفوقا برقم هاتفي..
بالغد لم أفطر ،كنت منشغلا بالبحث عن طريقة لأسلمها الرسالة ،فكرت في أن أبعثها لها مع إحدى صديقاتها،فكرت في أن أضعها أمام باب المنزل حيث تقطن ،إلا أني تراجعت خوفا من أن أتسبب لها في مشكلة ما و هي مجرد ضيف لبضعة أيام..لذلك قررت أن ألغي فكرة تسليمها الرسالة وأن أظل صامتا للأبد إلا أني في طريقي للعودة نحو المنزل التقيتها صدفة وحيدة ،ارتفعت ضربات قلبي وأحسست بدوار خفيف..وقفت أمامها وبدورها وقفت تنظر إلي،أخرجت الرسالة من جيبي ،رميتها أمامها وركضت عائدا للمنزل…
عند التاسعة ليلا ، رن هاتفي ، رقم لا أعرفه :
– ألو
– ألو لابس..أنا أمينة هادي نمرتي ، بسلامة دبا .
هكذا بدأنا ..
ومرت سنوات ست..فوجدتنا نقف معا امام هذا الفندق..هي سيدة متزوجة ينتظرها بعلها بالمنزل..و أنا تافه تتقاذفه الفنادق الرخيصة والمطاعم الرخيصة والحانات الرخيصة .
عندما أنهيت كلامي وجدتها تتطلع في بطريقة ذكرتني بليلتنا الأولى معا بمدينتي .. الشوق .
– تعبت ،صدقني تعبت ..ماذا تريد مني؟
– ارجعي إلي أمينة.. ارجعي إلي وسأكون مطيعا ،ارجعي إلي وسأكون خنوعا إن شئت ،ارجعي ولتكوني أنت الحاكم والحكم ،ارجعي إلي وسأكون محكومك سيدتي..فقط ارجعي إلي و احضني ما تبقى من شظايا لعلي أجدني وسط هذا الضياع..ارجعي فما عدت قادرا على السير وحيدا وما عاد بي قدرة على التنفس ليس اختناقا ،اشتياقا لرائحة جسدك سيدتي..أما اجتاحك بعض الاشتياق لشذرات قلمي أم أن أناملك ما عاد لها اشتياق لقلم يكتب عبثا ووجدت بذاك القلم الذي يوقع دفتر الشيكات بديلا..ارجعي إلي نحزن معا و نبكي معا..ساذج أنا..كيف أطلب منك ترك النعيم والعودة للبكاء بحضني..اعذريني..ولكن ارجعي فما عدت أحيا إلا بقطرات دمك التي اختلطت بدمي ذات لحظة هوس ببعضنا..مازلت أحتفظ بالسكين ،أتحتفظين بالمنديل ؟!
لحظتها نظرت إلي بشهوة أعرفها..أعرفها جيدا:
– هنا لا يناسبني..اختر فندقا آخر أيها البئيس.
- أنا وذات البعل
- التعليقات