في الثامنة عشرة من عمري ،ركبت القطار لأول مرة .. نحو الرباط ..لن أرفع يافطة و لن أطالب بإسقاط أحد..لن أحتج و لن أصرخ مطالبا برحيل مسؤول..نحو
الرباط من أجل قبلة على ضفة الشاطئ..

مايا، تقطن بسلا ، لكننا اتفقنا على اللقاء بالرباط ، في
السابعة عشرة من عمرها ، بشعر أشقر على الطريقة الألمانية ، وعينين بنيين على الشكل اللبناني ،نهدين بارزين على شكل مغربيات الجنوب ،و شفتين مقلوبتين على شكل أنجلينا زوجة براد بيت ..

– فخبارك بلي شنايفك دايرين بحال ديال أنجلينا جولي؟
– آه كيقولوها لي و لكن عرفتي علاش رجعو هكا؟ ملي كنت صغيرة طحت على وجهي فالدروج و جرحت شنايفي و نتفخو ..من داك الوقت وهما هكا..

ضحكت كثيرا عندما أخبرتني بهذا لأول مرة ..اعتقدت أنها تمزح قبل أن تقسم لي بأنها تخبرني الحقيقة..صدقتها ،كانت بريئة براءة طفل..كنت بريئا حينها أيضا ..ما أزال بريئا ،هكذا تقول والدتي.
أخذت قطار التاسعة صباحا،يجلس بجانبي رجل بشعر بدأ يغزوه الشيب، يطالع جريدة الشرق الأوسط،عرفتها من لونها الأخضر المفتوح ،لا أدري لما اختاروا لها هذا اللون ،الأحمر كان سيبدو أكثر جمالا !..
– الشريف نقدر نسولك؟
ترددت كثيرا قبل أن أخاطبه ،ماذا لو أزعجته بمقاطعتي له فهو يبدو مستغرقا في قراءة أخبار الدم..لكني ملزم بمقاطعته وليحدث ما يحدث..
حرك الجريدة إلى اليسار قليلا ،تطلع بي صعودا و نزولا ..توقف لثواني ينظر لشعري ،لعل شكله أزعجه..و أخيرا ابتسم :

– تفضل أولدي ،شنو بغيتي؟
كانت نبرته دافئة ..
– أنا عمي ماشي للرباط و معرفشي فين ننزل ،ملي نوصلو قولهالي.
يبتسم ..
– أول مرة كتسافر للرباط ياك؟
– أه أعمي
– وعلاش مسافر بوحدك؟
كم تمنيت ألا يطرح هذا السؤال ،أأخبره اني أسافر لتقبيل مايا ،أم أكذب،أم أصمت؟
– أنا أعمي شديت لباك هاد العام وغادي نتسجل فواحد المدرسة تماك.
– ديالاش المدرسة؟
لم يزعجني السؤال ،لا بأس سأخبره بحلمي ،حلمي الذي دفنته بعد سنتين من هذا اللقاء

-المعهد العالي للاعلام والاتصال
– مزيان أولدي،ولكن أنا غنزل غي ف قنيطرة
تبا لك ستنزل بالقنيطرة وسألتني كل ذاك ،تمنيت أن أقول له هذا جهرا ،لكني اعتدت منذ العاشرة أن أدفن أشياء كثيرة بداخلي و أن أخبر بها نفسي فقط.

– شكرا أعمي ماشي مشكيل
– متخافش أولدي حيث التران فين مكيوصل لشي محطة كتهدر داك المرأة باش تعلم الركاب ،يعني ملي توصل للرباط غادي تسمعها كتقولها.

اطمأن قلبي حينها ،وفعلا بمجرد ما وصلنا لمحطة مكناس أتى صوت المرأة العذب عبر مكبر الصوت يخبرنا بذلك..
عند الحادية عشرة و نصف وصل القطار لمحطة الرباط المدينة ،وقبلها بنصف ساعة اتصلت بي مايا تخبرني أنها تنتظرني عند مدخل المحطة..كنت متحمسا جدا لرؤيتها ومحادثتها وجها لوجه ،طبعا رأيتها وحدثتها كثيرا قبل اليوم لكن عبر السكايب فقط
..وسط زحمة المحطة ،رمقتها تقف عند المدخل متكئة بكتفها الأيسر على جانب الباب ،كان الجو صيفيا ،لذلك اكتفت بتنورة سوداء فوق الركبتين ،وقميص أحمر يكشف عن كتفيها وجزء من أسفل بطنها ،وحذاء رياضي أحمر بجوارب بيضاء قصيرة جدا ،لم يمنعاها من إظهار الخلخال بساقها اليسرى ،شدت شعرها للخلف بالكامل ،ووضعت أقراطا كبيرة الحجم بلون أحمر ..
رفعت يدي اليسرى ملوحا لها ،تسللت بجسدها الصغير وسط الزحمة ،قفزت نحوي وكانها طفلة تقفز لحضن والدها..هكذا أفكر الآن..لحظتها فكرت بشكل مختلف..ربما لم أفكر ،فقط أحسست..ليس بالحب..أحسست بالخجل..غريب أن تعانقك حبيبتك وسط الناس..
أمسكت يدي..وانطلقنا..
– إلى أين؟
– إلى الشاطئ حبيبي
– حسنا..عرفتي ممصدقشي راسي أنا معاك
– حتى أنا بيبي ..
أخذنا طاكسي إلى الشاطئ ،لم أكن أعلم شيئا عن المكان ولا حتى اسمه..يزعجني التواجد بأماكن لا أعرفها لكن رفقة مايا ينجلي ازعاجي..
– شنو رأيك نمشيو نجلسو فوق داك الحجار
– أوكي مايا لي بغيتي
أمسكت يدي و سحبتني خلفها ،أحست بترددي ،فالمكان كان منعزلا ولا أحد هناك عكس الجهة المقابلة من الشاطئ كانت تعج بالناس ،بعضهم حضر للسباحة ،وبعضهم للاستمتاع بالرمال وأشعة الشمس ،وكثيرون لمراقبة أجساد النساء،وآخرون رفقة عشاقهم كما انا ومايا..
جلسنا على ضخرة منبسطة خلف صخرة كبيرة تمنع عنا نظرات الآخرين ،ضممتها إلي..ثم حدث ما ركبت من أجله القطار..
دقائق خمس وحدث ما لم أضعه في الحسبان وأنا أركب القطار..شرطيان بالزي الرسمي يقفان عند رأسينا..قفزنا واقفين أثر الصدمة.
– اش كديرو هنا؟
كانت مايا ترتعدخوفا ليس فقط لأن الشرطيين صادفانا متلبسين بقبلة بريئة ولكن لأن والد مايا يشتغل عميد شرطة بالرباط وإن هو عرف بهذا فالجحيم سيفتح أبوابه أمامها..
نفسي كنت أرتعد ولم أستطع أن أكون جملة أجيب بها الشرطي السائل:
– وا..والو أشاف
– كيفاش والو وأنت معنقها
– والله مكنديرو شي حاجة أشاف
– أرى نشوف لا كارط ديالك
– معنديش أشاف مازال مصوبتها
– شحال فعمرك
– 18 أشاف
– 18 ومازال مصوبتهاش؟أش كتسنى؟
– هاد العام نصوبها أشاف
ثم انتقل لمخاطبة مايا :
– وأنت شنو هاد اللباس، شحال فعمرك؟
ترتعد أكثر ،نزلت دموعا كثيرة من مقلتيها ،لم تستطع أن تجيبه..ابتسم الشرطي الآخر و خاطب زميله بمقت :
– خصنا نديوهم معنا يترباو شوية
– هدشي لي غنديرو
لحظتها أصيبت مايا بنوبة بكاء ،وكادت دموعي أن تنزل وأنا أتوسل الشرطيين:
– الله يرحم الوالدين الشاف مادرنا والو غي جالسين
– أنا شفتك كتبوسها
..يضحكان بنفس المقت
– الله يرحم والديك الشاف ،سمحنا غي هاد المرة منعودوش
و بنبرة حادة هذه المرة نطق أحدهما:
– يالله تحركوا من هنا ومبقيش نشوفكم هنا ولا نربيكم..
ركضنا هربا من المكان ..
أخذت قطار الواحدة نحو فاس..على متنه حذفت رقم مايا..ربما حذفت رقمي في طريقها نحو سلا..لم تتصل بي

أضف تعليقاً