شرفتان متجاورتان في الطابق العلوي .. تطلان على ساحة العالم , ينتظر فيهما عجوزان منذ بداية الصحو حتى نهايته بضجر شديد .. مولعان بالاختلاف والخلاف بينهما .. لا شغل لهما سوى الجلوس كل في شرفته .. مراقبة ساحة العالم برتابة عمر , وانطفاء ألق الآمال العريضة فيه .. لا يثير احدهما ويخرجه من هدوئه ورتابته واستكانته شيء , سوى تصرفات الطرف الآخر .. كضرتين تجلسان بشرفتين متجاورتين في الطابق العلوي من ( أنا ) .
القلب في الجهة اليسرى من القفص الصدري .. يفترض أن يجلس في مكانه الطبيعي , الشرفة اليسرى . لكنه يرفض الجلوس فيها زاعما أنه سئم اليسار ويصر على الجلوس في اليمين .. بما إن القلب يساري فلا يتبقى للعقل إلا اليمين . لكنه يرفض الجلوس في اليمين , زاعما انه سئم اليمين هو الآخر . يصر على الجلوس في اليسار .. هذه القضية الوحيدة التي يتفقان فيها ..
ما أن يعرفا إنهما اتفقا على الجهة التي يريدها كل منهما , حتى يختلفان من جديد . كل يريد شرفة الآخر .. كاد (أنا) أن يصاب بالحول جراء ذلك .. لكنه رضي بقسمته ونصيبه , كي يرتاح من خلافاتهما المستمرة .. ومن محاولات تنغيص احدهما على الآخر ما يريد القيام به .
إن أراد العقل أن يقرأ يشغل القلب موسيقى صاخبة , لينغص على جاره في الشرفة الأخرى متعة القراءة . وإذا رأى القلب إحدى الفاتنات تمر بساحة العالم , انتفض من مكانه كقط ينتفض من الماء . يقف على حافة الشرفة يغازلها , كأي مراهق وقح . العقل يوبخه على تصرفاته التي يعتبرها صبيانية .. يبعث برسائل إلى عقلها عبر شبكة اتصالاته المجنونة :
_ المخلوق الذي ترينه على شكل كتلة لحمية كمثرية الشكل , مخادع كبير .
يريد أن يوقع بك .. يسبب لك المشاكل .. ما هو إلا مضخة تضخ سائل احمر إلى الجسم , وتستقبله لتضخه مرة ثانية , بعملية غبية رتيبة ويدعي نفسه حالما ً وعاشقاً كبيرا ً .. عاطفيا حنونا ً .. وهو آلة لا غير .
_ لا يغرنك كلام هذا المخلوق الرخو ..
يكاد يسيح من الكرسي إلى الأرض وهو يجلس في الشرفة . , إنه مدع كبير.. يحسب لكل شيء حسابا دقيقا .. يخطئ في أحيان كثيرة .. أخطاءه لا تغتفر.. دعك منه وصدقيني .. ما هو إلا مركز لاستلام وتوزيع الرسائل , على أخواتنا الحواس المسكينات . وبرغم ذلك فهو يمارس عليهن أستاذية ودكتاتورية متعصبة . عنده كل شيء أما أبيض أو أسود ..
_ أما أنا فعندي الرمادي والوردي والبنفسجي ..
تذهب متحيرة في أمرهما أيهما الصادق ؟ أيهما الكاذب ؟ تخلص إلى نتيجة أنهما معتوهان كبيران . لا شغل لهما غير الجلوس في الشرفة ومراقبة ساحة العالم منتظرين .
_ سأسألهما في اليوم التالي عما ينتظران ؟
خلافاتهما المستمرة تسبب لـ ( أنا ) صداع . يضطر للقيام بمساعي حميدة للمصالحة بينهما دون جدوى ..
_ أين حرية التعبير ؟
_ أين احترام الرأي والرأي الآخر؟
_ أين حق تقرير المصير؟
_ أين الأخلاق والقيم والمبادئ ؟
يعود خائبا لينام , لعلهما يتركان شرفتيهما وينزلان للنوم .. (أنا) أيضا لا يدري ماذا ينتظران ؟ يحاول تخمين ذلك كلما أراد أن يخلد للنوم ..
ينزلان من شرفتيهما أثناء الموتة الصغرى .. يتجولان في متاهات مختلفة من الماضي والحاضر, كل على حده .. يدخل القلب في غرفة الذاكرة .. يستخرج كآمرته ليشاهد ما سجلته أثناء فترة الصحو . أحيانا يشاهد ببطء شديد تلك الأفلام , وبسرعة في أحيان أخرى .. تنفلت بعض المشاهد من كآمرته .. تخرج من غرفة الذاكرة .. تتسكع هنا وهناك ..
ليل المتسكعين طويل بالقدر الكافي لتتغير ملامحها وجعلها مشوهه .. تظل طريق العودة إلى غرفة الذاكرة .. تذهب إلى ( أنا ) .. تطرق بابه .. يتكاسل عن النهوض كي يفتح لها .. النهوض يعني الصحو والصحو يعني أن يستيقظ العجوزان المختلفان دوما , ويجلسان في شرفتيهما يطلان على ساحة العالم ينتظران . ومن شدة ضجرهما يبدأن بالصراع مما يسبب له الصداع . تتسور الجدار الخارجي .. تدخل من شباك أحلامه .. تحاول خداعه بمراياها السحرية .. يرى نفسه حرا طليقا ً من أية قيود .. يمارس حقوقه كانسان .. يقفز من فراشه كمن لدغته أفعى ..
_ أعوذ بالخوف الرحيم من شر الأحلام الرجيمة ..
قراءة جميع آيات الخضوع التي تعلمها من تجارب اقتراف جريمة الحلم سابقا , تساعده على العودة للنوم ثانية ً .
الكتلة الرخوة لا تتركه في حاله .. تتجول هي الأخرى بعد أن تنزل من شرفة الوعي المحظورة دوما وأبدا , إلى سرداب اللاوعي السري .. تتسكع فيها ما شاء التسكع .. تنبش في محظورات الماضي والمستقبل .. تدع الحاضر جانبا .. غائب عن الوعي .. ترسل لـ ( أنا ) بين غفوة وأخرى رسائل على شكل كوابيس مرعبة ..
_ ارفض النوم .. انتفض عليه ..
خوفا من إمساكه متلبسا بقراءة الكوابيس , يرد تلك الرسائل المحرضة قبل أن يقرا أي كلمة منها .. لا يفتح المظروف أصلا ً.. لكن المتسكع البغيض في سرداب اللاوعي يعيد إرسالها مرة ثانية .. يعيدها (أنا) بإصرار أكثر عدة مرات .. يستيقظ .. يجد المخلوق الرخو مستلقيا على ظهره من شدة الضحك , كحشرة جندب تحاول الانقلاب على بطنها .. عدوه الصديق الكمثري الشكل يفعل ذلك أيضا .. وبمجرد استيقاظه يعودان إلى شرفتيهما في طابقه العلوي .. يتشاجران .. يتعاركان .. بعدما يسئمان من الإطلال على ساحة العالم والانتظار.. يعود الصداع من جديد ..
يئس من التوفيق بينهما أو الخلاص منهما ..
لماذا يختلفان ؟ ماذا ينتظران ؟
ربما عدم معرفته بذلك .. فضوله لمعرفته .. هو الذي يعطيه دافعا للاستمرار بالحياة.

أضف تعليقاً