شكليّاً، تختلف نصوص القصّة القصيرة جدّاً، من كاتب إلى ٱخر، بل من نصّ إلى نصّ لدى نفس الكاتب. وبطبيعة الحال، أرى من السذاجة عزل هذا الاختلاف الشكليّ عن المضمون، وإن كانا على طرفين متباعدين. فما دامت هناك إمكانيّة متاحة لتناول التناصّ والأنسنة والغرائبيّة والرمزيّة والموضوعة الميثولوجيّة والفلسفة والشاعريّة، فلابدّ أن تلقي بظلالها على أسلوب الكاتب وطريقة معالجته، وبالتالي على مبنى النصّ بشكل كلّي. ورغم أنّ هناك تنظيراً حول أنواع القصّة القصيرة يقسّمها إلى أربعة: قصّة الحدث- قصّة الشخصيّة- قصّة الموقف- قصّة الفكرة. لكنّنا لا نستطيع البناء عليها في القصّة القصيرة جدّاً لتعقّد الموقف، واختلاف البنية. وبحسب علمي، لا توجد دراسة موضوعة أمامنا حول الموضوع لمناقشتها سلباً أو إيجاباً. إلّا ما أورده د. جميل حمداوي في حديثه عن نصوص القاصّ عبد الرحيم التدلاوي: (تتّكئ القصة القصيرة جدا على مجموعة من المقوّمات الفنيّة والجماليّة والدلاليّة، مثل: رصد الذاتيّ والموضوعيّ والميتاسرديّ، وتوظيف الحكائيّة، وتشغيل الحجم القصير جدّاً، والتوسّل بمجموعة من الأدوات التعبيريّة، مثل: الإدهاش، والمفارقة، والإرباك، والسخرية، والتكثيف، والحذف، والإضمار، وانتقاء الأوصاف، وتنويع الصور السرديّة، وسميأة علامات الترقيم… ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن أنواع من جنس القصّة القصيرة جدّا، كالقصّة المجنّسة ذات البناء الكلاسيكيّ، والقصّة التجريبيّة التي تمتح آليّاتها السرديّة من تقنيات القصّة الغربيّة ، والقصّة التأصيليّة أو التراثيّة التي تستفيد من الموروث السرديّ العربّي القديم. بيد أنّ هناك نوعاً آخر من الكتابة السرديّة داخل نسق القصة القصيرة جدا وهي القصّة الشذريّة. وتتسم بالتقطيع، والتجزيء، والتشذير، والتفصيل، والتركيز، والتوليد، مع استعمال الفواصل والمقاطع والفقرات البصريّة المبأرة ، والارتكان إلى الاختزال وتكثيف الوحدات القصصيّة بشكل من الأشكال) لا أعلم بالضّبط فيما إذا كان هذا التصنيف، للأستاذ حمداوي تحديداً أو لآخر، لكن من الواضح أنّه لم يكن وفق معيار محدّد، فإطلاق صفة التجريبيّة على بعض النصوص، يعني اختلاف تلك النصوص حتماً. فمن الثوابت في نظريّة الأنواع الأدبيّة، كما يقول د. جاسم خلف إلياس: (أنّ لكلّ نصّ أدبّي تشكيلاً لغويّاً، يتراوح بين درجتي الثبات والتحوّل، وإنّ دراسة المؤشّرات الدالّة على هاتين الدرجتين، تكشف صرامة النوع الأدبيّ أو هشاشته أمام التجريب والكتابة الحداثيّة). كما إنّ التراث، هو أحد المضامين المستخدمة في القصّ، كالرمزيّة والفلسفيّة والشعريّة، واعتبارها نوعاً مستقّلاً دون غيرها، يحتاج إلى تبرير. وانطلاقاً من قول د. جميل حمداوي: (من المعروف أنّ الجنس الأدبيّ هو مؤسسة ثابتة بقوانينها، ومكوّناتها النظريّة والتطبيقيّة، حيث يتعارف عليها الناس، إلى أن يصبح الجنس قاعدة معياريّة في تعريف النصوص والخطابات والأشكال ، والتمييز بينها تجنيساً وتنويعاً وتنميطاً. ويتحدّد الجنس الأدبي بوجود قواسم مشتركة أو مختلفة بين مجموعة من النصوص، باعتبارها بنيات ثابتة متكرّرة ومتواترة من جهة، أو بنيات متغيرة ومتحوّلة من جهة أخرى. وهذا ما يجعل تلك النصوص والخطابات تصنّف داخل صيغة قوليّة أو جنس أو نوع أو نمط أدبيّ معيّن). واستناداً إلى هذا الرأي، أعتقد إنّ تقسيم هذه النصوص إلى (أنماط)، هو أقرب إلى الواقع فيما لو قسّمناها إلى أنواع. لتجاوز الخلاف اللامنطقيّ حول كون (القصة القصيرة جدا)جنساً أم نوعاً، من جهة. ومن جهة أخرى، حتى لا نصطدم برؤية تودوروف الذي يعتقد إنّ دراسة الأنواع الأدبية اليوم بمثابة تزجية وقت فراغ إن لم يكن عملاً قد فات أوانه. علماً إنّ نقّاد مابعد البنيويّة قد تعرّضوا بهجوم وسخرية إلى مفهوم النوع الأدبي، فمقالة دريدا (قانون النوع)، تسخر من الجهد الذي بذله جينيت لكي يفرّق بين (النوع) و (الصيغة) و (النمط). ويعرّف النمط على أنّه : ( الطريقة المستخدمة في إعداد النصّ لغاية يريد الكاتب تحقيقها، ولكلّ فنّ أدبي نمط يتناسب مع موضوعه، فالقصّة والسيرة يناسبها النمط السرديّ، ووصف الرحلة يناسبها النمط الوصفيّ، والمقالة يناسبها النمط البرهاني أو التفسيري، والخطابة والرسالة النمط الإيعازي، والمسرحية والقصة النمط الحواري…) وهناك سبعة أنماط كتابيّة كما يقول الأستاذ ف. سكراني: النمط الوصفي، النمط التفسيري، النمط الحواري، النمط الإيعازي، النمط الحجاجي، النمط الإخباري، والنمط السردي وهو ما يهمّنا بالتحديد. ومجاله الرحلة والسيرة والحكاية والقصة، والسرد هو نقل الأحداث أو الأخبار بتفاصيلها من صميم الواقع أو من نسج الخيال أو من كليهما معها في إطار زماني ومكاني بحبكة فنيّة متقنة ويتلاحم السرد مع الحدث تلاحماً شديداً سواء أكان الحدث مركباً أو بسيطاً. (والنمط السردي هو الطريقة الفنية المستخدمة في إعداد وإخراج النص الذي يحمل قصّة أو حكاية أو خبراً). لذلك، سنتحدّث بما يوائم النماذج المطروحة أمامنا والتي يعرفها ويداوم على كتابتها اليوم، أغلب كتّاب القصّة القصيرة جدّاً. ونقسّمها، بناءً على شكلها، إلى خمسة أنماط. 1- النمط التفصيلي: وهو الذي يعتمد اعتماداً مباشراً وكليّاً على كلّ ما للسرد من ٱليّات وجماليّة، كالوصف والاستطراد والحوار والجمل الطويلة اسميّة كانت أم فعليّة أم سواهما، ويعتبر هذا النمط أقرب إلى النموذج الكلاسيكيّ وأكثر إمتاعاً للقارئ. والغالب فيه الطول النسبيّ كما في هذه المجموعة من النصوص: فصول / محمد قاسمية أيلول امرأة… هكذا قالت عرّافة لرجل تصيّدته وحيداً في حديقة عامّة. كان ينصت لها وللريح، ينقل بصره بين رداء ثخين وأشجار عارية. تساءل بعدما انصرفت: – إذا كان كذلك فلماذا إذن لم تخلعه؟… كانت هي في ذلك الوقت أبعد من أن تسمعه، تمشي سريعاً، تعدّ نقوده وتحسب ما بقي عليها من ديون آب. توْأَمَةْ / إعتدال الشوفي يراقبها بصمت.. ضحكاتها تتقافز كما ظفائرها، تجمع بضع دفاترٍ جديدة، مع مقلمةٍ تحمل رؤوس أحلامهما؛ ثمّ تتناول لفافاتي خبز بالزعتر، وتزجّها في ذيل الحقيبة.. طبعت قبلة ناعمة فوق جبينه، ومضت بخفّة فراشة.. جارّاً تلويحته المتعبة، على خطى دمعة تدحرجت فوق شاشة جوّاله، لفّ عائداً نحو فضاء البيت.. يده الصغيرة تدير عجلات كرسيّه العنيد؛ و تحصي حجارة الدرب. نجيعُ الثَّرَى / رحيم رزّاق الجبوريّ يكرهُ، ويمقتُ الخواتم والأَسْوِرة.. يتضجّرُ من السَّاعَة اليدويّة.. لا يطيقُ لَبْس القلائد.. كلُّ شَيْءٍ يشاركهُ في جسده ينزعجُ منه؟ عندما رأيتهُ آخر مرّة لمْ أشعرْ بأنّه مستاء، ابتسامتهُ ملأتْ ثغره، وهو يتوشّحُ بعَلَمِ بلاده؛ ملتفًّا على جسدهِ الغَضّ؛ حينما قدّمَ نفسه قُربانًا للوطن! 2- النمط التفعيلي: وهو الذي يعتمد تقسيم الحدث إلى جمل فعلية، والتركيز على الحركية مع استخدام محدود لجماليات اللغة. وهو على قسمين: الأول/ استرسالي: غالبا ما يكون الإستهلال فيه بجملة فعلية، ثم يتواصل السرد بأفعال متعددة تصل إلى أكثر من ثلاثة قبل الوصول إلى الأزمة أو العقدة. كما في هذه النصوص: ضلالةٌ / أياد السلمان اعتلى المنبر، حمد الله، صلّى على نبيّهِ، استسقى ربَّهُ. في الخطبةِ الثّانيةِ، أفتى لهم بتطهيرِ المعمورةِ من (الكفّار)… ما أن حلَّ الظلامُ حتى ارتوت الأرضُ من الدّماءِ. استبسال / كاظم شريف عقدا الرهان، قال له: لن تصل إليها، الأبواب محكمة والحرس شديد، لم يثنه الكلام، رمى نفسه من أعلى القصر، تهشّمت قدماه، واصل نحوها زحفاً، أمسك يدها، نظرت إليه بشفقة ، عندما السياف احتزّ رأسه. احتِقانٌ / أكثم جهاد استَنزَفوا أحلامَهُ، استَوطَنوا جُمجمَتَهُ، ألبَسوهُ عَباءَةَ مَلاك، أمرَهُم بِالطّاعَةِ، سَألوهُ البُرهانَ…قَدّمَ رَأسَ أبيهِ موناليزا / عصام الشب أمسَكَ بِنصلهِ، أكمَلَ رسوماتِهِ، سالَ النفطُ… الدمُ… الدمعُ… جَمَعَها تُجارٌ عاقَروا زُناةَ ليل. على شَفيرِ سُنبلةٍ _ حبَّاتُها أطفالٌ و حِجارةٌ _ تَتَعطَّلُ بواباتُهم الإلكترونيَّة.. يَبْرُقُ وجهُ حَنظلة مسار / عبد الوهاب ميا من مسندين متقابلين، رسما جنّتين مختلفتين، توغّلا بين الدّم والمحبرة، تقطّعت نياط الحرف… اهترأت السّروج… فيما يغوصان في رمل المسافة، أدارا البوصلة؛ وجدا نفسيهما معاً في الجّهة الضّائعة. عِفَّةٌ / صاحب ساجت أقامَ شَكْواهُ، لَمْ يُفْلِحْ.. كَرَّرَها؛ زُجَّ بِهِ في غِيابَةِ السِّجنِ. سَنَتانِ وَ الظَّلامُ رَفِيقُهُ، لَمَّا بَدَا لِلعَيانِ؛ أَنْكَرُوهُ، ضَنُّوا عَليهِ… اِسْتَجْمَعَ حُطامَهُ على الرَّصِيفِ، يُرَتِّلُ قُرْآنَ الفَجْرِ! ومما يجدر ذكره في حق هذه النصوص، أن على الكاتب أن يكون أكثر حذرا لاحتمالية تشظي الحدث واضمحلال الموضوع جراء كثرة الأفعال، واعتماد الومضات، كما إن الغياب النوعي لجماليات السرد، قد يخلق تنافرا مع المتلقي. الثاني/ محوري: وهو أقرب الأنماط إلى فلسفة وروح القصة القصيرة جدا. ويتميز بقصره وتمحور السرد فيه على الحدث والموضوع بدون زيادات وصولا إلى خاتمة متوازنة. واستعمال جمل فعلية لا تزيد على ثلاث قبل حصول الذروة في النص. كما في هذه النصوص: سطوة / غسان هندي كالمارد الصاعدِ من القمقمِ… أنشدتُ أناشيدَ الهوى، وادَّعيتُ النبوءةَ، هبط الوحيُ غاضباً، اقتطع حبلاً قصيراً جدّاً، وربط الحمار الذي بداخلي. لامُنْتَمٍ / صبحي الحمود رسم خريطة، نصب على طرفها خيمة، عندما لم يجد علبة الألوان، كسر الريشة واختبأ في ثنايا الكلام. لَعِبْ / ليلى أحمد استجمع مقدراته، بنى ركحاً قرب معبد، غصّت المقاعد ببني آدم. في الكواليس، قرروا صلبهُ على مئذنة.
3 – النمط الإدغامي: وهو نمط يعتمد اقترانه بالقصة القصيرة جدا، على إدغام القصصية بالسرد الإخباري. وغالبا ما نرى السرد هنا غير مرتب، فالأزمة تارة في المستهل وتارة في الخاتمة، والحل يسبق الأزمة أو النتيجة تسبق السبب، وبطريقة إخبارية بحتة وقريبة من أسلوب الخاطرة وأدب الرسائل. كما في هذه النصوص: انقلاب / ليلى شقوف ثلاثون عاماً مضت، وأنا أبحث عن حبّي المنثور تحت قدميه، اليوم رأيته.. يعطي وردة حمراء، لامرأةٍ متصابيه، تجلس على مقعد في الحديقة العامّة!. شفافية / محمد غازي النعيمي في أوّل ايامه حاكماً للبلاد، أصدر جلالته مرسوماً ملكيّاً، يقضي بترميم علاقته مع رعاياه، كان ذلك بعد عودته على أسنّة الحراب. يقين / عزيز الشعباني ذهل الناس حين شاهدوا أنّنا نولد بملابس حرب، بيد إنّ أمّي لم تعر للأمر أهمّية… كانت هي الوحيدة التي تعرف تنقّلات جثّة أبي من حرب إلى أخرى. فسحةٌ سماويةٌ / عمار طاهر صالح أثْنَاءَ سِقَايتِها لوردِ شُرْفَتِهَا، لَمْ يكترثْ الشُّرْطيُّ لزعيق أبواق السيارات؛ رمى قبعته وصافرته… وانضمّ إلى كوكبة المعجبين. 4 – النمط الإدراجي: ويتصف بإدراج المفارقة أو العقدة في الحوار، وقد ينوب الحوار عن الحدث وتصاعده. كما في هذه النصوص: رجوع / صلاح الفقيه مستسلماً لخسائره ، ودّع الجميع ، مسح دموعه بانكسار ، ترك رسالة اعتذار ، وخرج. على حافّة الجسر ؛ وهو يستعدّ للقفز، سألته امرأةً تمرّ بالجوار : – أتحبّ الغروب هنا؟. – نعم أحبّه… أجاب محدّقاً في ابتسامتها وأضاف: – هل أراك غداً!. انعكاس / إبراهيم عدنان أخبرني الشيخ؛ أنّ عصا موسى هي من قسمت ظهر البحر… عارضته: – لماذا لم يكن إيمانه هو المنقذ…؟ مهرولاً أخرج القرآن ليخمدني… سبقته بإخراج جلدي قائلاً: – نفس العصا، فأين يد النبوّة؟!. مرَاسِمُ الصَّمْتِ / عبد الحكيم قويدر خَدَّرونِي.. نَشَرُونِي بِينَ أَجْثاثٍ فِي أَعلَى الْبُرجِ، تَخَمَتْ مِنّا الجَوارِح. وَقْتَ تَنزِيلِ هَياكِلِنَا العَظْمِيَّةِ لِلْحَرقِ.. صَرخَ رَأسِي المُعَلَّقِ في مِنْقارِ نَسْرٍ: – لا تُخْرِجونِي مِن المِلَّةِ. 5– نمط المتواليات: وهو تجزئة النص إلى قصّتين أو ثلاثة أو أكثر، يجمعها عنوان واحد. وقد يكون الرابط بين تلك النصوص واحداً أو متعدّداً. وسيكون لنا بحثاً مستقلّاً للحديث عنها وعن ميزاتها. لا يمكن الادّعاء بأيّ حال من الأحوال، أنّ هذا التصنيف نموذجيّ، وقادر على الصمود أمام مرونة القصّة القصيرة جدّا وقابليّتها المستمرّة على التطوّر. لكنّه على ما آمل، سيبسّط أكثر الأمور تعقيداً لدى الكتّاب الهواة، وسيفتح الطريق أمامنا نحو معرفة واسعة وشموليّة بهذا النوع. وفي ظل هذا الكمّ الهائل في ما ينتج من نصوص، فإنّ الحاجة إلى هذا التصنيف، تبدو أكثر إلحاحاً لفصل الاختلافات النظريّة من بيئة إلى أخرى، ولتقنين الكتابات الغير منضبطة، والتي يبرّر لها باستمرار باسم التجريب.
- أنماط القصّة القصيرة جدّا
- التعليقات
