انزوى بيتنا غربا في هضبة بعيدة عن باقي منازل القرية، بوابته الأمامية محاطة بسورين كبيرين يمتدان ليحيطا بالبيت كاملا، تتوسطهما مساحة شاسعة تحوي أشجار الزيتون وأشجار التفاح، وتحوي أيضا حقلين صغيرين مخصصين لزراعة الكيف الموسمية. الحقلين تتوسطهما طريق ترابي يربط البوابة الرئيسية بالباب الحديدي الصغير المفضي مباشرة إلى بهو البيت، والذي تتوزع على الجانب الأيسر منه غرفتين وعلى جانبه الأيمن غرفتين أخريتين، بالإضافة إلى المطبخ الذي يصله سلم إسمنتي بالطابق العلوي من البيت حيث تواجدت غرفتين، إحداهما تعود لي والأخرى لشقيقي. في حين تواجد الحمام في مقابل الباب الخلفي للبيت وهو الباب الذي ما كنا نستعمله إلا نادرا لأنه يفضي إلى فراغ مخيف خاصة ليلا.
لحظة دلفت من البوابة الرئيسية، لم أفهم لما تزاحمت كل تلك الأجساد تحت شجرة التفاح الواقعة على بعد مترين أو ثلاثة من الباب الصغير، لم أستطع في البداية أجساد من هي تلك لكني كنت كلما تقدمت خطوة إلى الأمام إلا واتضحت لي الرؤية أكثر. ثم فجأة لمحت شقيقتي التي تكبرني بعامين تخرج من الباب لتلتحق بتلك الأجساد، بدت ملامح وجهها غريبة وكأنها تضحك عاليا إلا أن أشعة الشمس عكست لمعانا فوق وجنتيها، ما جعلني أفترض أنها كانت تبكي، وربما كانت دموعا غادرت مقلتيها نتيجة الضحك الكثير، إذن هو ضحك بدا كالبكاء.. ما تخيلت أنه بكاء بدا كالضحك.
أصبحت خطواتي متثاقلة، وكأن حملا ثقيلا حط فوق كتفاي الصغيرتين منعني من التقدم بشكل طبيعي، كنت أخطو في خوف لأني لم أعتد مثل ذلك المشهد ببيتنا. إحساس ما بداخلي كان يخبرني أن بأسا ما أصاب أحد أفراد أسرتي. توقعت أنه ليس أبي ولا شقيقي، فأبي كان يومها يقضي عطلته الصيفية بمدينة المهدية، وشقيقي كان بمنزل عمي الذي يبعد مسافة نصف ساعة مشياً.. لذلك تخيلت أن تكون إحدى شقيقاتي، وتمنيت ألا تكون أمي.
تسللت بجسدي الصغير بين السيقان المزدحمة، تصبح الزحمة أشد كلما دنوت أكثر إلى الأمام حتى وجدتني أقف عند رأس أمي الممدة فوق الأرض، كان يفصلها عنها قطعة قماش أزرق بُسط تحت جسدها.. كانت كدمات كثيرة تعلو وجهها، وساقها اليسرى لُفت في قطعة قماش أبيض لكنها بدت ملطخة بالدماء. لم أفهم ما يحدث لكني فهمت دموع شقيقاتي.
كان المحيط يضيق بي لأجدني أبكي حتى دون أن أدري لماذا، ما كان قلبي ليخطئ أنين الألم الذي تحسه أمي، كان يصل قلبي دون أن يعبر مسمعي.. بد الأمر وكأن الزمن قد قرر ألا يكمل مسيره نحو المستقبل بذاك الجزء من العالم، وكأنه قرر أن يقف عند تلك اللحظة. قبل أن تمتد بعض السواعد لتحمل جسد أمي وتضعه بالمقعد الخلفي لسيارة لم أرها من قبل ولا أدري كيف وصلت إلى هناك حتى دون أن أحسها أو أن أسمع صوت محركها… ربما ألغى المشهد وظائف حواسي كاملة، وحده القلب من ظل ثابتا على الإحساس بأنين أم تتوجع.
تحركت السيارة مخترقة البوابة بسرعة، ركضت خلفها لخطوات ثم اكتفيت بتتبعها بعيني إلى أن اختفت عند أول منعرج.. لم يكن مجرد منعرج عادي، كان منعرجا في حياة أسرة، اختفت عنده أحلام كثير.. وأهم ما اختفى تلك البسمة التي كانت تتوزع على قاطني ذلك البيت كل يوم.
كانت الأيام تمر متثاقلة بغياب الأم، وكانت أكثر الأسئلة التي تخيفني “أين أمي؟”.. كنت أخاف الجواب إلى أن صادفني أبي ذات صبح ربيعي..
– ارتدي ملابسك بني.. سنزور أمك.
لم أتجرأ أن أسأله أين ولا أين هي ولاشيء… اكتفيت بالإسراع في ارتداء ملابسي الجديدة التي كنت أحفظها للعيد وقفزت للمقعد الأمامي في السيارة، كانت شقيقتي الكبرى في المقعد الخلفي.. انطلقنا نحو مكان لا أعرفه، صارت المسافة أطول مما توقعت. مرت أربع ساعات قبل أن تصادف عيني تلك اللوحة الزرقاء الكبيرة المرقون عليها ” مرحبا بكم في طنجة”..
غريب أن يكون المستشفى هو أول مكان أزوره في مدينة تطوان، وأن يكون المستشفى هو أول مكان أزوره في مدينة طنجة أيضا.. بدت طنجة أكثر جمالية من تطوان في أول لمحة قبل أن تصبحا معا مدينتا بؤس بعد سنوات.. إحداهما فقدت فيها قلبي والأخرى فقدت فيها عزتي.
كانت أمي نائمة لحظة وصلنا لذلك اكتفيت بعناق جسدها الممدد فوق سرير تلك الغرفة الجميلة المنعش هواءها وكأنها ليست بغرفة داخل مستشفى.. لاحقا علمت أنها مصحة خاصة تعود ملكيتها لطبيب اسباني..
– اشتقت لك يا بني..
قالت ذلك وهي تمسح بيدها اليسرى على شعري.. كان صوت أمي متعبا، بدا مجرد همس..
– هيا بنا أمي لنعد إلى البيت..
ضحك كل من بالغرفة، لا أدري لماذا..

أضف تعليقاً