شبّتْ ريحانة وخطاها تائهة عن درْب الأَوْبة..
ضمّها الغاب والغياب مُذْ ذَرَوها ذات مساء.
منحنية على الأديم كانت تلتقط ما تساقط من غصون شجر هجرتها الحياة..
الأديم المصفرّ يرتعش وجلا من أصوات الرّيح العاوية، تتشبّث حبيبات الرّمل فيه ببعضها تكاد تسمع نشيجها فزعة من غِربان البين..
الغابة حولها تتعانق غصونها عبثا توصد في وجه السّماء المعتمة أبوابها..
رفعت ريحانة ظهرها والغصينات اليابسة بتأوّه.
الأفق الرّماديّ لا يزال يجثم بكلكله على كتفي القرية.
الشّمس خلفه مصلوبة على بوّابات الغياب..
الرّيح لا تني تعوي..
لملمت ريحانة نبضها.
الرّيح تعصف، والبواسق ترتجف..
اندسّت ريحانة مقرورةً في جوف جذع سنديانة هرمة..
الغصينات في يدها..
علبة الكبريت في أعطاف ثوبها.. ولا نار تُدفئها.
ريحانة دوما تخشى احتراق الرّوح الأنّانة في ترانيم الخشب..
الأفق الرّماديّ يمتدّ..
عتمة الجذع المجوّف تشتدّ..
وريحانة توغل في سبات.
من بين الأهداب المسدلة رأتها..
السّماء ترنو إلى جدائل الضّياء المتسلّلة من الغصون الملتفّة حول الممرّ تتناثر عليه كحبّات لؤلؤ..
عبق الورد يسربل النّسيم، يثمله..
يلثمها..
الأديم تحت همس خطاها مخمل.. والدّرب يمتدّ طويلا..
كانت تعانق فرحا..
والدّرب أمامها يمتدّ طويلا..
تخبّ كفرس برّيّة عاشقة، ترتشف هطل حلم، تتلمّظ ثمالة أمنية..
والدّرب فيها يمتدّ نحو الأفق طويلا..
تلاحق نظراتها لآلئ السّماء المتناثرة هنا وهناك.. تودّ لو تجمعها ذخرا لعجاف الأمسيات..
والدّرب لا يني يمتدّ طويلا..
منذ إشراقة الفجر الأولى وهي تنخز راحلة الخطى.
على صدرها يتشرنق وليدها..
تلهبه سياط ظمإ..
عيناها تفتضّان حُجب بوصلة الرّحيل تنشدان للوليد سُقيا..
في آخر الممرّ يتراءى لها نبع.
تتلمّظ الشّوق..
“في رحم الشّمس سأعمّدك..” تهمس له.
في شرنقته يتململ..
يضجّ..
يلجّ..
حمّى خطاها تُلهب الدّرب وسياط ظمأ الوليد تجلدها، تُربكها، تُركبُها صهوة بُراق التّوق إلى ظفر..
تتوقّف مشدوهة..
سنابل الفرح تتكسّر هشيما تحت خطى الوجع في هاجرة الكشف..
صخرة جبسيّة أمامها تسدّ الطّريق، على قشرتها البلّوريّة تربّع السّراب.
وليدها يتغرغر ظمأ..
تستعر خطاها حنقا..
والدّرب تحت كلكل الصّخرة الجبسيّة يئنّ.
الغابة تلفّ حولها غصونها، تحويها في صدر باتت فيه كقطرة طلّ عانقت جليدا..
يرتعش نبضها والوليد..
السّماء تسحب لآلئها وتواري وجهها خلف غيم كثيف..
جدائل الضّياء تتقزّم، تتفتّت، تتبخّر..
والدّرب بالدّجى يتسربل.
يتدلّى وليدها من شرنقته..
يتفكّك الوصال..
يتهاوى ملهبا الدّرب بصرخات عمر التهمه السّراب..
تتهاوى إليه، تضمّه، تلملمه.. تضرّجها حساكة، تصيح:” أنّى أمسيت، أروحي، دقيقا تذروه ذي العتمة العاصفة..؟”
الصّخرة الجبسيّة تهمهم، تتململ، تفترّ عن خبيئة..
تمدّ إليها يدها، تفتحها، يضجّ الكون بالصّداحات:
“غيلان كان هنا..
من رحم الجليد يوهمه زَهْر..
غيلان نَفَقَ هنا..
يخنقه فقد.. يجلده فقر..”
يردّد الوليد المبعثر:
“نيسان كان لنا..
أرجوحة حلم.. يااا صبر..”
يتهدّج صوتها:
“ظمآن-ناديتَ- أنا..
أمّاه زُقّيني من جدائلها شهدا يزهر..
نيسان كان هنا..
ضياءً يدفق من الأفق نهرا..”
تجلجل همهمة الصّخرة الجبسيّة..
تنحني عليهما..
تتناهى إليهما وشوشات:
” في الرّوح ظمأ للضّياء استعر..
وما الأفق به دافق..
والخطى إذ تقفو النّظر..
في برمودا الوهم تغرق..”
يقرفص الوليد على ضفّة الوجل، يرقُب أمّه تعتصر طواحينُ الوجع حبّاتِ خطاها المتناثرة، تعضّ على حدّ الوجع المسنون، من هطل الكشف تسقي وليدَها ثمّ تلملم شظاياها..
تبحث للوحة المربكات فيها عن تشكّل..
تسحبها نظراتها إلى رسوم خطاها المتناثرة..
الدّرب كان يمتدّ طويلا، يتلوّى مثقلا بترانيم حكايا الرّسم خلف بوّابات الذّاكرة..
تحمل قِرَب المسير الأوّل في خافقها..
القِرَب في النّبض تنزّ حكمةَ الوجع..
تؤوب إلى لحظة مخاض الدّرب، تتوق إلى تذكرة سفر..
على صهوة العمر يتشرنق وليدها..
يهمس لها:
” أنّى ولّينا الخطى.. فثمّة إلى الشّمس درب..”
تُمسي كلماته أهزوجة خطاها، تلتفّ حولها كعاصفة ثمّ تتفتّح كزهرة عبّاد الشّمس، من بين وريقاتها تنبثق صروح تشمخ نحو السّماء، تمتدّ، تتعرّج، تلتفّ ثمّ تلتقي أكُفّا تتربّع فيها الشّمس ناثرة غصون الحياة مثقلة رطبا ودنانَ شهد..
على خطاها يهطل غيث ضياء..
تزهر في الصّدر شرنقة وليدها..
منها يتناثر النّور فراشا يحتضن دروب الحياة..
مثقلة بوله الضّياء فتحت ريحانة عينيها..
عتمة مجوّفة تلفّها، لا خلّ ولا حارس..
تمتمت:
“كأنّي دهرا نمتُ..
أم زدتُ تسعا..؟
أتراني في نومتي متُّ..؟
أم أنّك يا نوم زدتني لسعا..؟”
تحسّست أطرافها.. لا فقدَ.
عدّت غصيناتها المتيبّسة.. لا فقرَ.
وعلبة الكبريت في أعطاف ثوبها مهادنة..
” لا احترقتَ يا خشب.”
صفعها صليل سيوف الدّجى خارج الحضن المجوّف..
أضناها انتظار شمس تُزاور، تَقْرِض، تَهِب قبسَ حياة..
أسدلت في شرفات التّوق جناحَي فراشة كسيرة..
وفي رحم الدّجى امتدّ سَفرٌ لا يني يطول..
- أنّى يمتدّ السّفر..؟
- التعليقات
