عشقتُ أسماءَ..
غِرّة كانت، تمشّط جدائل الفرح وترسم على الغيم بطبشور الحلم قصورا وجنانًا وينابيعَ قصيد بالصَّبّ تدفق..
أثملني خَبب ضحكاتها على أديم روحي النّديّ..
امتدّت يد التَّوق فيّ إليها تغازل الحلم فيها، تهدهده، تزُقُّه كؤوسَ شوق معتّقة..
أدليتُها إلى بئر الهوى وأنا أنسج لها من البوح أبرادا..
وتاهت أسماء في ثنايا هواي..
رياح الحظّ أخصبت خطاي ظَفرا بعمل على الضّفّة الأخرى.
كَرها ودّعت أسماء..
همستُ لها:” سأجمع للعمر فينا أكاليل الفرح.. وأعود إليك نرفع عُمُد بيت يحضننا..”
نشجت:” أنّى بملح نَواك يزهر العمر..؟”
ضممتها.. قبّلتها.. همستُ:” لن أغيب طويلا..”
على الضّفّة الأخرى ابتلعني الغياب..
في الغربة لا أكاليل فرح.
سريعا سحبتْ رياح الحظّ هبَتَها وتلقّفتني الشّوارع تلوكني بلكنتها الكريهة، يتعصّى هرسي، فتبتلعني.. وأمسيت رهينَ اجترار مجنون.
ثمّ غرقتُ في نوانا، هجرا يفوح بتراتيل خرائط القدر..
هرمتْ خميلة الحلم..
عشرون سنة قضمتْ عمري وما نظمتُ لحبيبتي إكليل فرح..
عشرون سنة تقيّأتْني على ضفّتنا مجامرَ عاشق وبقايا إنسان.
كان الخَطْوُ ينحدر بي إلى ربوة غير بعيدة عن رسوم لقائنا منذ عشرين سنة.
ضجّ السّؤال فيّ وأنا أمضي وحيدا يتآكلني الشّوق والوجع:”أنّى تُراها تلقاني؟”
سربلتني رائحة احتراق آدمي..
تثاقلت خطواتي كأنّ الأداني تتشبث بي توقا إلى حلول فيها وسكون.
وهِنت خطاي فكدت أنهي السّير حيث أدركتُ منه، لولا أن تناهى إلى سمعي صوت بدا لي أليفا.
ثم شاهدتها، والعينان منّي توغلان بحثا عنه، جالسة تُشرف على البحر زائغة النّظرات لا تَثبُت في اتّجاه، تدندن بنواحات عُمْر..
انتفض القلب مرحا لمرآها، وتلاحقت القدمان الوهنتان منّي تفرّان إليها إسراعا كفرسين جمحتا وقد فُكّ الوثاق…
_هنيئا لك القرار في حضرة البحر.. بادرتها مبتسما.
حدجتني بنظرة ثاقبة،تفحّصتني.. ما عرفتني..
قالت همسا:
_لا قرار..
_مكوث وأهازيج.. نِعم الثّبات ذاك القرار، حيث لا ضجر ولا فتور..
عاودتني النّظرةَ ذاتها، بدت كأنّها تكابد مشقّة تذكّرصوتي الذي بات يحمل لكنة مغاربيّة وبصمة فرنكفونيّة مشوّهة.. بدت كأنّها تبحث عنّي في هذا الغريب..
ثم جهرت مدوّيا صوتها:
_أنّى القرار..؟ لا شيء يثبت ولا عالم يستقرّ.. رحيل يفضي إلى رحيل ودرب يُسلم إلى درب.. في البدء كان آدم ومعه كانت حوّاء وجنّة لا تتبدّل.. ثم نزولا الى نَتَن الأرض كان العقاب.. فظللنا نرث إثمهما والعذاب، ولا ذنب اقترفنا غير أنّنا كنّا بعضا من تلك السّلالة..
نأتيها رُغما، نعشقها كَرها، ثم نبكيها إذ تُنتزع منا جَبرا..
أما آن لحيرة الرّوح أن تنقشع..؟
نعيم.. عقاب.. قطبان مهوس كلّ منهما بإدراك الثاني.. ويظلّ الهَوَس حُكْما لا يُدرَك سُموّ حركته، كجَمَل باروطَة* يدور ويدور ويدور، حتّى يمسي فُتاتا..
ويستديم ناقوس الحيرة صارخا فينا: من الفاعل؟ نحن أم وهمُنا يلهو بنا دُمى سيرك وَرَقيّة ينبهر بها الصّغار وحين يكبرون، منها يسخرون..؟
أنّى يظلّ السّؤال يفضي الى السّؤال والإجابة تتمنّع وتتعصّى و الشّعور فينا يحدّد القرارات منّا والخُطى..؟”
تأمّلتُ أسماءَ التي كانت غِرّة تلعق بقايا الوجد في صدى كلماتي وتُفرحها ذاتُ التّحيّة كلّ مهاتفة أكرّرها..
“لاشيء فيكِ منكِ ظَلَّ..” تمتمتُ.
تناثرت عليّ نظراتها كمفتّش المطار وهو يقلّب بصره بين الهَرِم الأشعث فيّ، العائد، والشّابّ الوسيم الباسم في جواز السّفر..
اختلجت شفتاها، تعالى صليل سيوف الكلمات تتداحر بينهما..
عدلتْ عن الكلام حينا حسبتُه دهرا.. وعبّأت عينيها بلون البحر منه تكتحل، ثمّ همست:
“لا سَبْتَ فيّ ولا عرشَ أعلوه، ولا تنصاع الفكَرُ لي أنبياء.. لا عباد يسكنون نبضي ولا بعثَ روح ولا لِفَوْضايَ انتهاءَ.. كلّ دهور عمري التي أفِلت ما كنتُ أدرك منها غير أنّي أمضي إلى حيث لم تكن الإرادة منّي تُضمر ولا النّبضُ.. سبيل ترفد إلى سبيل.. شمس تُقبر وأخرى تُبعث وأنا كأنّي الكرة تتقاذفها أقدام صبية لاهين، أتدحرج من أسفل إلى أسفل.. وغير بعيد عن خطاي، في مُنى خافقي، يشمخ صرح يفضي إلى أعالي الخصب والنّور دون أن أطاله.. ثمّ ها أنا لا أراني كنتُ أتقفّى، وأنت تؤوب بعد غروب الحلم، غير خُطى ظلال غارقة في أوحال أداني الوعود ..”
كانت أسماء تكابد حرائق وجع وهي ترتق فُتُوق الكلام وحبّات الرّمل تتفتّت بين أناملها فتتشكّل لها دربا يشقّ البحر عابرا إلى الضّفّة الأخرى.. ومعها كنت أصغي إليها، أتابع تشنّجاتها وقد ألجمني صمتٌ وسكنني وجعٌ هادر وحنين حارق كأنّه الجرح تهصره فيزيدك الألمُ تشبّثا بفعلك متلذّذا بتعذيبك..
ثم ألفيتُها تستوي واقفة غير عابئة بالنّداءات التي تمزّقني.. تنحدر إلى البحر مسرعة شاخصة ببصرها إلى الأفق تَنشُدُ إليه عبورا..
قبعتُ أرقبها ولا أقفو خطاها.. أتوسّل صرخاتي الصّامتة شوقا ورجاء أن تلحق بها.. ويُقعدني عجزي عن القرطاس والقلم والموجُ يهدر هزؤا بي واحتفاء باندساسها..
والكون يردّد أهازيج احتراق عشرين سنة باتت أَتونًا لآتي الخُطى..
____________________________
*بئر باروطة في مدينة القيروان العتيقة: غرفة ضيقة تضمّ البئر وجملا يدور حولها بلا هوادة مستخرجا الماء، يدخلها صغيرا ويخرج منها قطع لحم بعد ذبحه حين يكبر ولا تسعه غرفة البئر.
- أهازيج الاحتراق
- التعليقات

