-فِي إحْدَى مَناطِق التل الْجَمِيلة، وفِي دَّشرَة نَّائِيَّةِ قفرَاءَ {1} وُلِدَ الطفلُ {الطيب} في بيت متواضع، يقع فِي صَحْنٍ جَبَلِي تُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلَّ الْجِهَاتِ الْهضَاب والتِّلاَلِ والدُّرُوبِ، لَيْسَ في الحيِّ طرُقَات تَرْبط الْمَكَانَ بِغيْرِه، سِوَى مَسَالِك بَيْنَ الصُّخُورِ مُلتًَوِيَّة ضَيْقة وَعِرَة مَترُوسَة بالخَوْفِ، تقلُّ فِيهَا الْحَرَكَةُ، وتندُرُ المُوَاصَلاَتُ عَدَا ظُهُور الْحَمِير وَالبِغَالِ، ترَعْرَعَ الطِّفل هُنا، بَيْنَ أحْضَانِ أمِّه، فوَالِدُهُ ألقت عَليْه سُلطاتُ الاسْتعمَار القبْضَ وأودَعَتهُ السِّجْنَ، أهْلُ الدَّشرَة من الأمْجَاد الكرَام، قدَّمُوا مَا عَليْهم من أبْناءَ بَرَرَة فِدَاءً للوَطن، فلا يَخْلو بَيْتٌ من هَذِهِ البُيُوتِ الْمُتنَاثِرَة كالفطريات ليْسَ فِيهِ مُجَاهدًا أو شَهِيداً، فَهُم يُلقُونَ حَتفهُم بالتقسِيط ِ، ويَسْتقبِلون أحْزانهُم بقنادِيل مُطفَأة، عَاشَ الْفَتَى في وَسَطٍ فقير مُحَافِظٍ يَتحَّوشُهُ شيَاطِين الاسْتعْمَار بالإذلاَلِ والتَسَلُّطِ، ويَتِمُّ كل شيْءٍ فيه عَلى رتم الحَرْب، دَمَارٌ وخوْفٌ، رُعْبٌ والتزَامٌ الحِطةِ والحَذر، نشأ مَحْرُومًا من التعَلُم، تَفَطنَت وَالِدَتَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ أنْ بعَثت به مَع الصِّبْيَةِ إلَى المَقرَأة قرْبَ الشَلاَّل{2} وَخَابَ مَسْعَاهَا.

2- والشلال يَنبُوعُ يَنبَجِسُ مَاءُهُ الزُلال بَيْنَ الصُّخُور، تَتزوَّدُ مِنْهُ الأسَر بالمَاءِ الشرُوب، كانَت الْحُقُول يَوْمَئِذٍ تُعَانِقُ رَذاذَ القمْح، والريَّاح تدَاعِبُ السَّنابِل..! الأزْهارُ أخَذَتْ تَتفَتَحُ وصَارت نجُومًا تُغازل فُضُولَ الأطفَال، بإمْكان الصِبْيَةِ أنْ يحْلمُوا، وأحْلاَمُهُم كَانَتْ مَحْصُورَة فِي رَغِيفِ خُبْزٍ والعاب بسيطة؛ فِي هَجْعَة الفجْر يَتناسَلُون مِن تَحْتِ أغْطيَّتِهم، يُفرِكُون أعْينهُم، ويَغشَاهُم الظَّلامُ، يَرْتدُون ثقوبَ ألأسْمَال المُرَقَّعَة، حُفَاةً عَلََى الشَّوْك والحِجَارة يَمْشُونَ، يَخْرجُونَ مِنْ بيُوتِهم فرَادَى وَجَمَاعَاتٍ، يرْحَلون على ظهُورِ الحَمِِير كَمَا يَرْحَلُ الأَمَلُ مُتوجِّهين إلى المَقرَأة، تحْت أجْنحَة الضبَاب والصَّمتُ يُرافِقهُم، والضَّبَاب القاحِلُ يُخْفي أنْفاسَهُم، ويَسْخرُ من الرُّعَاة والفلاحِين، يُوهِمُهُم أنَّهُ نهرٌ يَجْرِي عَلَى رِيشَة الفَجْر، ويُغريهِم أنَّه رِدَاءٌ للشمْسِ، حُرُوفهُ تؤْرقُ الأجْفانَ، وتُومِئُ الأحْدَاقَ في سُباتٍ هَائِم، النِّسْوَة يُراقبْن فَلذَاتَ الأكبَادِ خَائِفات مِنْ الذِّئاب، يَتسَمَّرن وَاقفَات إلَى أنْ يَخْتفِي أولادَهُنَ خَلفَ التِّلالِ، ويُتابِعْن سَماع ما يُشبِهُ الصَّدى يَتموَّج في الأذهَان، {سلطانة} تقِفُ كَالنَّخْلَةِ السَّامِقة خَلفَ جِدَارٍ مُتهَالِكٍ من ألأحْجَار المُكدَّسَة، تُرْخِي خِمَارَها الأسْوَد، تُصْغِي لصَوْتِ شَقشقة الأقدَام، تُرَاقبُ ولدَها {الطيْب} وهُو يَرْكضُ خَلفَ أحْمِرَة يرْكبُهَا الصِّبْيَة، ويُطلقون الصُّبْحَ صَيَحَاتِ الفزَعَ..أرْ.أرْ.أرْ. يَترُكونهُ أمَام طوَاحِين أحْلاَمِه بَاكِيًّا، يَنوحُ كالقمْري يتوَدَّدُ، يَلتهمُ لُهَاثَ أحْلامِه، يَعُودُ وَعَودَته إلى البيْت تُضِيءُ دوَاخلَ أمِّه، فتحْتضِنُه بِابتسَامةٍ مَرْشوشَة بالأحْزان، والمَرْأةُ الوَاعِيَّة تدير شأن البيْت في غيَّاب زَوْجهَا وتنتصِر، مَازَال الطيب صَغِيرَ السِّن، طريَّ العُودِ وسِيمًا، يتسرْبلُ في قشابيَّة صُوفيَّة أنِيقة، مُطرَزَّة بألوَان قزَحيَّةٍ وخيُوطٍ مُتدليَّةٍ، يَمْشي بِخيَلاء متجَرْ جِرًا، الجَدَّة تبشُّ في وجْهِه وَتُحَرِّكُ شَفَتيْهَا بِنصْفِ ابْتِسَامَةٍ، وتلفُّهُ برُوحٌ قدَّت مِن صَبرٍ، تقول: غَدًا سَتورِقُ في ليَالي العُمْر أيَّامًا سَعِيدَة، سيَكون لك مَعْنى يَا وَلدِي، سَتكُونُ الأذْكَى والأرْوَعَ والأبْرَعَ ، حَتَّى وإنْ أدْمَت أقدَامَكَ الأشْوَاكُ، ستزرَعُ الوَرْدَ فِي قُلوبِ الْعَائِلةِ، تُردِّدُ النسْوة كلمَاتٍ بَائِسَةٍ لاَ يَقرَأ مَنْ ليْس لهُ حِمَار، وليْسَ للطيِّب حِمَاراً، يُلازمُ الطفل البيْتَ مُشتغِلا بألعَابه، يُبدِعُ في مُبتكرَاتِه و مَا جَادَ بِه الخَيَالُ، يَنتَظِرُ عَوْدَة الأطفَال بِشَوْقٍ، يَفزَعُ لاسْتقبَالِهِم، يَحْلمُ أنْ يَكُونَ مثلهُم، وَلكِن هيهات..!.

3- في ذرْوَة الاحْتفالات بأعْيادِ النَّصْر، يَكُونُ الْفتى قَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمْر أحَدَ عَشْرَةَ سَنَةَ، لَمْ يَتَذوَّق خلالها طَعْم الْعِلم، التحَقَ بالْمَقرَأةِ ليَتعَلم أبَجَدِيَّات الْقرَاءَة ومَا تيَسَّر مِنَ الْقرْآن الكَرِيم، لم يلبث أنْ رَحل مَعَ أسْرَتِهِ إلَى الْمَدِينَة، فيَنبَهرُ بالحَيَاة الْجَدِيدَة وَيَتِيهُ فِي مَفاتِنهَا، يَقِف عِندَ بَاب البَيْت الْجَدِيد مُتسَمِّرًا مَبْهُوتا يَنتابُهُ الذُّعْرُ، يتجَمَّد مَكانَهُ وَهُوَ فِي حَالةِ ذُهُولُ، يَمدَّ الأبُ يَدَهُ فِي رِفقٍ ليُوقِدَ المِصْبَاحَ الْكَهْرَبَائِي، تعَوَّدَ أنْ يُوقِدَ القِندِيلَ وَبداخِلِهِ بِترُول، يَتسَاءَلَ وأينَ نضعُ البترُول يَا أَبَتِي ؟ يَتقدَّم الأبُ ويَضْغَطُ عَلَى الْحَنفيَّة فَيَنزِلُ الْمَاءُ، كانَ قدْ تعَوَّد عَلَى جَلبِ الْمَاءِ مِنَ الشَلاَّلِ فِي بَرَامِيلَ عَلَى ظُهُورِ الْحَمِيرِ، الأرْضُ هُنَا مُبلَّطة، كَانَ يَنامُ هُنَاك عَلَى الترَاب، الأمْر صَارَ يَخْتلفُ تَمَامًا، وفي الْمَدْرَسة كانَ هُو أكبَر التلامِيذ، وَقف في الصفِّ خَائفا مَرعُوبًا يَلفهُ الْخَجَلُ، لمَّا همَّ بالدُّخول لأوَّل مَرَّة إلَى القِسْم نزَعَ حِذاءه فضَحِكَ التلامِيذ وَتَهَامَسُوا، نَهَرَهُم المُعلمُ وَوَقَفَ يَرْمُقهُ وَقال مُتنهِدًا:مَا هَكذَا نَفْعَلُ يَا وَلدي ..! لا تَنْزَع حِذاءَك..رَجَاءً! سَرَتْ رَعْشَة خَفِيفَة في جَسَدِهِ، لمْ يَجْلس في حَيَاتِه عَلَى كُرْسِي، هَا هُوَ ذَا يَجْلِسُ على مَقْعَدٍٍ خَشبي، وَبَيْن يَدَيْه طاوِلة فِيهَا دَوَاةٌ ورِيشَةٌ، يَلتفتُ فيَرَى جُدُرَانَ الحُجْرَة مُزيَّنَة وَفيهَا مِدْفأةٌ وخِزَانَة وأثاث، وً أطفَالٌ يَرْتدُون مَلاَبِسَ أنِيقة وَمَآزِرَ، يَحْمِلُونَ مَحَافِظ جَمِيلَة، وَعَلَى السَبُّورَة يَكتبُ الْمُعَلمُ بِالطبَاشِير، كل شَيْءٍ هُنا يخْتلِف عمَّا ألفَهُ الفَتى وعَاشَه فِي الرِّيف، حَتَّى الضَبَاب يَتوَارَى بِسُرْعَةٍ، يُدْرِك الْفرْقَ بَيْنَ فَجْر الرِّيفِ وَفجْرُ المدينة، لم يَعُدْ يَسْمَع صِيَّاح الديَّكة، وَنهِيق الْحَمِير، وثغاءَ الخِرَاف، وخوَار البَقر، وَصوْتَ الرُّعَاة والفَلاَّحِينَ يتنادَون مُصْبِحِين ، هُو يَحْلُمُ وأحْلاَمُه الوَردِيَّة تَضِيقُ بِهَا أسْوَارَ الْقرْيَةِ، يَقبِضُ بِأنَامِلهِ عَلَى أَصْوَاتٍ تسُدُّ مَنَافِذَ الإصْغَاءِ، وَيهْتبل الْفرَصَ مِنْ أَجْلِ إثبَاتِ الذَّاتِ، إنَّهُ يَكْتشِفُ ذَاتَهُ وَمُحِيطَهُ وَيَتَعَلمُ، والعُقول الرَّطبَة تنْظرُ إلَى مَا حَوْلهَا بِتفاؤُل وعَفويَّة وبرَاءَة، أرْبَعُ سَنَوَاتٍ قَضَاهَا فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَاميَّة، ويُصَدَمُ ذَاتَ خَرِيفٍ بقرَارِ فَصْلِهِ، لقد تَجَاوز السِنّ القانُونِي، خَرَجَ كَئيبًا حَزِينًا، وَلأَنَّهُ ذَاقَ حَلاَوَةَ الْعِلمِ رَاحَ يَحْلمُ بِأنْ يَكُونَ مُمَرِّنَا، وَمَا طَفِقَ يَجُوبُ الطُّرُقَاتِ بِوِجْدَانٍ شَغُوفٍ، وَعَقلٍ سَؤُولٍ، لَكِن كَيْفَ لَهُ أنْ يَصِلَ والمَسَالِكُ أمَامَه مَجْهُولَةٌ كالمتاهات؟ يَرْحَلُ ابْنُ الضَبابِ ذَاتَ شِتَاءِ كعُصْفور بِلاَ أفُقٍ إلَى خَلفَ الضَبَابِ الْقَاحِل، إِلى مَدْرَسَة النَّجَاحِ {البيرين} مُسَالمًا كعُود بُخُورٍ، يَرْنُو لِبُزُوغِ الْفَجْر الْجَدِيدِ، وتنْفَرَجُ أسَارِيرُ وَجْهِهِ، ويأخُذ يُشكِّلُ حُلمًا جَمِيلا كالضيَّاءِ، يتمنى أنْ لَوْ يُغمِضَ عَيْنيْه ويَفتحَهُما فَيَرَى نَفسَهُ مُعَلمًا، كان يَشعُر أنهُ كَبِير، وَيَعْمَلُ مِنْ أجْلِ هَدَفٍ، وأنَّ وَظِيفَة مُمرِّن بَاتَتْ فِي المُتَنَاوَلِ.

4- يرْحَلُ ذَاتَ صَيْفٍ بَعدَ أنْ فَازَ فِي مُسَابَقة المُمَرِّنينَ إِلَى الْعَاصِمَة مُتدثرًا بأحْلاَمِه القزَحِيَّةِ، وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ عَلَى الرَّصِيفِ كَمَا يَسِيرُ الوَجَعُ، يَلوكُ أتْعَابَهُ، وَ يَحْبُو عَلَى جِسْر الشَّوْقِ، يَمُرُّ القطار سَريعًا يطلُبُهُ لِلْرُّكُوبِ، كَانَ مُخْتلِط الأحَاسِيسِ شَارِدَ الْفِكْرِ، لم يَنْتبَه..يَا إلله.. أصَابَتهُ إحدَى الْعَرَبَات، إنَّه يَسْقُطُ عَلَى الأرْضِ، يَهْرَعُ الْمُسْعِفُونَ، يَرْتمُونَ عَلَى جَسَدَهِ النَّاعِمِ يَتحسَّسُون، شَفَتَاهُ تَقتربَانِ وتَبْتعِدَان فِي وَهَنٍ، قطرَاتُ دَمٍ تَخْرُجُ مِن أنْفهِ، الْجَسَدِ سَليمٌ عَدَا ذِرَاعَه، ويُنقلُ عَلَى عَجَلٍ إِلَى فِرنسَا للعِلاج، وفي أسْتار الغرْبَة تتفجَّر الوُرُودُ وَتتَحَوَّل إلى غايَة، يُمْكنُ للسَّعادة أنْ تقفزَ مِنْ غَيْمَةٍ إلَى أخْرَى، بِأحَاسِِيسَ مُرخَاة الْعِنَانِ، يَخْلعُ عَبَاءَة البدَاوَةِ، يَنسَي إعَاقتهُ الَّتِي كَانتْ سَبَبًا فِي ترقيَّتِه، هُوَ العِصَامِيُّ الشَغُوفُ المُتعَطِّشُ لِلعِلْمِ، يُنهِى دِرَاسَتهُ ، يَبْدَأ مِنْ عَقلٍ مَكِينٍ يَعِي ذَاتَهُ، الْحَيَاةُ ليَسَتْ أيامًا تُقضَى ولا ضَرُوراتٌ تنشدُ، هِي ذَوقٌ وسَعيٌ وإخْلاَصٌ، وَمَا حَسُنَ مِنَ الأشْيَاءِ عَظُم كمَا يُقال، فعَلى ضِفَافِ النِّهَايَات يَسْترْجِعُ مَا تَبَقى مِنْ أحْلاَم رَبْعِهِ، لِيَسْكُبَ مِدَادًا أخْضَرَ وَيَسْقِي أَوْرَاقَهُ الْمُتنَاثِرَة، صَار مِديرًا للمكتبَة العَربِيّةِ العَالمِيَّة فِي عَاصِمَة النُّور باريس. وَمِنهَا أخَذَ يَتَطلَّعُ إلَى بَلَدِهِ {الْجَزَائر}، يَشدُّهُ الشَّوْقُ وَلَهْفَة الْحَنينِ إِلَى مَسْقط رَأسِِه، يَتَرَدَّدُ عَلَى الدَّشْرَة فِي الْمَوَاسِمِ وَالأعْيَادِ كَنسْمَة هَوَاءٍ مُنعِشَة، لِيُقِيمَ لِقَاءَاتٍ ونَدَوَاتٍ، يَسْكبُ فِيهَا مِنْ رَحِيق وَعْيِهِ عَسَلاً مُصَفَى، مُتفتحًا على عَوالِم لا مُتناهيَّة، وَعَلَى الْمَنَابِر يَمْنَحُ للكَلِمَاتِ عِطرَهَا، فَتبُوحُ بِأسْرَارِهَا وما تُخْفِي الصُّدُور، تنْبَلجُ الْعِبَارَات كالوَدَقِ لامِعَة في عُيون الناسِ مُشرقَة كَالضِيَّاءِ، وَتعِيدُ مَا تَبَقَى في مَضَاربَِهِ مِنْ أحْلاَمِ دافئة، تُنعِش ثنايا قلبه، وَهُوَ شَوْق وحَنينٌ إلَى الْمَقرَأة وَ ذَلِكَ الشَلاَّلُ.

————————————- 1- سِيدِي مُحَمَّد الْخَيْثر الوَلِي الصَّالِح بشلالة العذاورة. 2- مقرأة يحيى بن القرشِي قربَ الشَلال{ عام 1959}

أضف تعليقاً