لا ادرى كم مضى من الوقت .. وانا داخل القطار.. اطل براسي من نافذته الكسرة .. أرصد كل ما يدور من حولي .. أتابع .. أرقب.. وأتأمله على طريقة الاستقراء والتتبع مع شدة الملاحظة .. تقع عيناي على العمارات .. الخراسانية .. الشاهقة الممتدة علي جانبي الطريق .. والعربات مرصوصة تحتها .. وأخرى تقطع الشارع بأزيزها المزعج .. الذى يمخر الاذان .. وهى تجرى بسرعة مجنونه .. ذهابا وايابا مخلفة ورائها سحب من الدخان الأسود الكثيف
“يا لها من مدنية جمعت كل المتناقضات..انها القاهرة دولة المعز لدين الله الفاطفي “.
المترجلون علي قضبان السكة الحديد كالنمل.. يهيمشون مثنى , وفرادى.. وجماعات بعضهم يحمل أمتعته.. والبعض الأخريحمل حقائبه.. ومنهم من يحمل كراتين ورقيه وأخر يحمل جولا .. وانا جالس بجوار النافذة .. في مكاني المفضل .. مرهق ومتعب .. والإنهاك بلغ مني مداه.. أتأمل كل ذلك في هدوء تام ,
” وتلك عادتي .. بل هويتي الفضلة ..عندما أكون في سفر .. دائما احب ان أتابع ما يدور.. وما يحدث حولي بتدقيق وأتأمله وأنا في وضع استرخاء تام .. وهدوء يشبه الفتور.. ولا مبالاه .. غير عابئ بما بحدث .”.
صديقي الجالس بجواري .. منذ ركبنا القطار.. يغط في ثبات عميق .. ” بصراحة الواحد يحسده على ذلك .. كيف أستطاع أن ينام .. وسط كل هذا الذحام .. والضجيج المذعج .. وكأن النوم يضعه فى جيبه .. يستدعيه وقتما شاء .. ولا ادري كيف ينام ..؟.! “ألقيت عليه نظرة فاحصة.. كانت يداه ملفوفتان على صدره ..متكأ على المقعد .. رأسه مائلة قليل على كتفه .. وكرشه ممتد أمامه .. فوق رجليه الممددة للأمام .. وصوت شخيره المزعج لا ينقطع .. ضحكت فى نفسى .. وأنا أزفر زفرت طويلة.. متقطعة.. وقلت في نفسي ..
ــ ” يا بختك يا عم.. بتعرف تنام وقت ما تحب.. وفى أي مكان..”..
أخذت نفسا اخر اعمق حبسته برهة في صدري .. ثم اخرجته متقطعا .. وواصلت استرخائى على المقعد .. الذى فزت به بعد معركة وسباق مع الزمن .. أخرجت سيجارة اشعلتها.. وأنا اتابع تدافع الأجسام , والزحام.. وزجاج العربات يعكس اشعت الشمس المائلة للغروب .. نظرت في ساعة معصمي .. كانت تشير لرابعة الا ثلث عصرا .. شعرت للحظة أنى انتقلت للصين الشعبية ..
استدعيت ذكرياتي الجميلة ..
” حضرت من الماضي بقوة فتاتي الصغيرة .. ذات السابعة عشر ربيعا .. والتي تشبه نجوم السينما في أناقتها وتألقها وحضورها الجميل .. ملونة العينين .. خمرية البشرة.. أنيقة جدا , ومثقفة , شعرها سبائك ذهبيه نحرها كالإبريز الخالص .. رائحتها أطيب من كل عطر اشتممته .. قومها ممشوق مرحة .. خفيفة الظل .. سريعة البديه أحببتها لدرجت الجنون الانفصامي .. حب عذرى .. كنت انتظرها كل صباح .. وهى ذاهبت الى المدرسة .. وهى عائدة إلي البيت .. وفى كل طريق تمشى فيه .. تجدنى أمامها .. أو خلفها .. محاولاً لفت نظرها .. وشد الانتباه .. مرة بنظرة .. واخري بابتسامة .. وثالثاً بكلمة .. حتى استطعت أخيراً .. وبعد معناة ان أكتب لها رسائل عاطفية .. وطلبت منها معاد .. وانتظرت في المكان الذي حدته لها .. وكنت غير مصدق بانها ستأتى .. ولكنها جاءت .. ووفت.. وكانت مفاجأة سعيدة جداً .. سلمت عليها .. ووضعت يدي في يدها ..وكانت تلك هي المرة الأولي التي تلمس يدي يدها .. فأحسست بأني أطير في السماء .. وبأنى قد ملكة الدنيا وما فيها .. وقبل ان اتكلم.. سألتني
ــ ” وأخرتها معاك ”
فأخبرتها , ” بأنها الماضي .. والحاضر .. والمستقبل .. وكل شيء وأهم شيء .. في حياتي ولن استطيع العيش بدونها …”
العربة مكدسة بالبشر.. وأغراضهم , وأمتعتهم .. حتى صارة كعلبة سردين .. والهرج والمرج يملأ المكان .. والصخب يقتلنى .. ويقلق أعصابى .. ويشتت أفكاري فأنا أكره الصخب .. وأحب الهدوء .. نظرت الى المقهى .. القابع تحت المحطة .. لاحظت أغلبية الجالسين عليه شباب .. واعلانات ضخمة فخمة معلقة في كل مكان إعلانات عن كل شيء .. لسقت على طول السور الممتد .. تحسست استمارة السفر الخضراء .. القابعة فى جيب السترى الميرى .. والراقد بظهرها التصريح .. من الوحدة العسكرية.. أخرجتها.. وقرأت بصوت مسموع .. وللمرة التاسعة :
ــ ” يصرح للمزكور بالغياب من الوحدة من الساعة ……… والى الساعة …… ” ..
” ثمانية أيام سأنام فيها نوما عميقا .. متواصلا .. لا يقلقني ولا يذعجنى ولا يوقظني أحد .. ولن أقوم من مرقدي إلا للأكل .. والذهاب الى الحمام وفقط .. ثم أنام مرة اخري.. فلا طبور صباح .. ولا قطاع نظافة ..ولا طبور تمام .. ولا خطوة معتادة .. ولا طبور سلاح .. ولا جري في المكان .. ولا اجمع في طابور الهتاف .. ولا شئ من هذا القبيل ثمانية أيام سأكون فيها حرا.. طليقا من غير قيود أو انضباط أو أوامر عسكرية .. او تقرير ضابط نبشي او دور مكتب .. او .. او ….”
يااااه .. شعور لذيذ أن تكون حرا .. واجمل منه ان تكون طليقا كالعصافير.. والفراشات .. انا عن نفسي اكره الرتين .. والتكرار.. والرتابة التي تورث الممل والاكتئاب .. شعور رائع .. بل اكثر من رائع .. كلما تذكرت أنى حر .. ولو لوقت محدود وقصير.. واحساس بالفرحة يغمرنى .. كلما اقترب الوقت .. والسعادة تتملكني .. لإنى فى اجازة ثمانى ايام ..
” كلها سعات قلائل .. وسأكون في بالدي الحبيبة ” …… “.. مسقط راسي .. وسط اهلى وأحبابى أبى , وامى , واخوتى .. وابناء إخوتي الأعزاء ” دار ببالي للحظة كلام الشاويش ..” .فراج ” ..
” يا عسكري يا بعكوك .. انت , وهو , وهو, إديك فى القايش.. وركبك لأزم تخبط في صدرك كما كنت يا عسكرى .. ثابت .. ابدأ من جديد ” ….
ابتسمت في نفسي .. رفعت الكاب الذيتى فوق راسى .. وعينايا تمسح الرفوف المكدسة .. بالحقاءب , والكرتين , واقفاص الطيور المستسلم بعضها لنوم .. فوق بقايا الطعام .. تذكرت صديقى النائم بجوارى .. نظرت اليه كان لا يزال نائم .. فرطت ساقى المتعبة .. تحسست البيادة التى خلعتها من قدمي انفاً .. بعدما اطمأننت على حقيبتي .. وانها لم تزل فى مكانها ..على الرف فوق راسى .. ضغط على أطرافي .. التي تؤالمني كثيرا جدا.. من كثرة المشي .. والوقوف في الخدمات وطوابير الياقة البدنية .. أغمضت عيناى في محاولة يائسة للنوم .. كصديقى .. وأخذت أفكر في البلد .. واتوقع ماذا سيحدث عندما أعود .. وأصل إلى البيت.. ورحت اتخيل ..:
” أبى , وامى .. قطعا عارفين إني سأتى اليهم الليلة .. لذا سأجدهم مستعدين لقدومي .. أمي محتفظة لي بنصيبي من الطعام ” قطعة كبيرة من الحم “.. كعادتها .. وأبى قد جمع لي مبلغا من المال .. ليعطيني إياه .. حتى استطيع أن اصرف منه .. وسيسعدان ويفرحون كثيرا جدا .. لعودتى اليهم بالسلامة .. حامدين الله على رجوعي اليهم بالسلامة .. أبى سيضمنى بين زراعيه السمراء .. الحانية .. إلي صدره العريض .. يحتضنني بقوة وحنان .. ويقبلني بين عينا ى .. وهو لا يستطيع أن يمسك دموعه المتساقطة .. على وجنتيه السمراوتين .. الذى أبىّ الزمان إلا أن يترك بصماته عليها.. ثم ينفلت ضاحكا بملأ فيّه .. وهو يقول ليّ بصوت متحشرِج .. ونبرات مرتعشة كأوراق الياسمين ..حين يداعبها النسيم .. وهو يهزني من كتفي برفق :
ــ ” والله أكبرت يا ولد وبقيت راجل وعشت وشفتك دفعة كد الدنيا.. تحمى بالدك ووطنك , وأهلك .. ”
فتدخلني كلماته تغسلني .. وتطهرني.. وتنقيني من كل تعب .. ثم يسترسل في الحديث معى .. ليحكي لي عن شبابه الذى دائما ما يترحم عليه.. وكيف كان عسكريا
منضبط .. في الجهادية – هكذا يطلق عليها دائما ـ وكيف حارب الإنجليز .. حتى غاروا عن بالدنا .. وعن العسكرية في ايام زمان .. وكيف صارة الان .. وانا استمع له فى حب .. واهتمام بالغ النظير .. وسعيد بهذا , وفخور به .. وأمي لجوارنا .. تعد لنا الطعام .. وهى تستمع معي .. وتقاطعه من حين لأخر.. بسؤال ساذج .. وربما بضحكة حلوه ثم نجلس نتناول الطعام .. وهما يتحسسنى بعينهما .. وكانهما يتباريان فى أستكشافى .. بحثان فيّ عن شئ لا أعرفه .. أو أجهله .. بنظرات فاحصة .. حانيه .. محبه .. وكأنهما يراني لأول مرة او كأنهما يتباريان في مسابقة حانيه .. عطوفه .. سريعة .. فيمن يكتشف أو يلاحظ على شيء جديد قد تغير.. وانا سعيد .. ومغتبط بهذا الاهتمام الذي أراه .. واجده منهما .. وكأنهما أزال عنى .. كل ألآم الدنيا .. وأوجاعها .. وعندما ياتى دورى فى الحديث .. حتماً سأقص عليهما بفخر .. واعتزاز .. كل ما حدث معي .. وما كان منى .. منذ فرقتهما في المرة ألأخيرة .. وحتى عودتي اليهم .. وسأصف لهما ما رأيت .. وشاهته .. كرنيش النيل .. ومترو الأنفاق .. الذي يمشى تحت الأرض .. والمصعد الكهربائي والأهرامات .. وأبو الهول .. والذحام الذى قد ملأ شوارع مصر .. وزحمت المواصلات .. والتلوث والناس الذين مثل النمل ..
والجبل الاحمر .. ومدرسة الشأون المعنوية .. وميدان الرماية .. والتدريبات الشاقة.. وعن الميرى الذى طق .. ومات الذى ابتدعه .. لانه لم يقدرعليه.. والانضباط العسكري .. ولم , ولن انسى ..في خضم الحديث أن اخبرهما عن النشيد العسكرى الذي تحارب إسرائيل من اجل ان تلغيه من الجيش أو تغيره ..” وان العسكرية المصرية ..هي المدرسة العلية للوطنية.. وهى عرين الابطال .. ومصنع الارجال على مر العصور والازمان ” أحساس لذيذ .. يتسرب بداخلى .. ويتوغل ويسرى فى دمى .. فأطرب له كلما تذكرت تلك الحظات الجميلة .. التي سوف تأتى علىّ .. بعد سويعات قليلة .. وقد شدّ بيتُنا عن اخره ..وأعلن حالت الطوارق .. لاستقبالي الليلة ….
” بالأمس كانت عيناي مصحصحة على الأخر في خدمت البر نقى .. وأنا واقف من حديد .. شادد .. ومقفزّ .. السلاح متقاطع على صدرى .. والخوذة فوقى رأسي .. والشدة كاملة على ظهري وعيناي في وسط راسي .. ومع كل ذلك .. الشاويش ” فراج ” كان يريد تعلقي في الخدمة .. لولا ربنا ستر .. وعد ت الخدمة بسلام .. الشاويش ” فراج ” .. ماسك مكتب الافراد .. ولإرانيك الذنب .. والتصريح .. واليومية التي يحملها .. الى مكتب العميد .. كل صباح ليوقع عليها .. ويدور
المكتب .. من يجده نائم , او تارك الخدمة أو متكاسل .. أو جالس .. او حتى من يفتح الرديون .. أو يراه يشعل سيجارة اثناء الخدمة .. او واقف والسلاح بجواره .. أو غير متقاطع على صدره .. أو غير ذلك .. يثبته في تقرير.. ظابط نبطشى .. ثم يدور مكتب في الصباح .. ويوقع عليه الجزى المناسب .. ويحرم من الاجازه .. حتى يقضى فترة الانضباط العسكرى .. ” خمسة وربعين يوم .. بالتمام والكمال ..”….
في الصباح بعد ما انزلنا من الميس .. وأخذ كل واحد منا .. قطاع النظافة الخاص به .. وقفنا في الطابور .. ونتهى اليوم بسلام .. استبقنا إلى العنابر .. لتغير ملابس اللياقة البدنية .. وارتدينا إلأفرول المموه .. دقائق معدودة وكنا في ارض الطابور .. أخذنا نتشمم .. ونتسقط الاخبار .. حول المكتب عن اليومية .. كل بطريقته الخاصة .. فلا احد يعرف .. متي سينزل اليوم .. حتي ينادي علينا لنستلم التصريح .. وقتها عيناي كانت ترصد كل حركة .. فى مكتب الافراد .. شانئ شان كل زملائي .. من الداخل .. ومن الخارج .. وما ان أُوكلت اليومية لشاويش ” محمدعبد الهادى ” يليكتبها .. ويذهب بها ليمضيها من العميد .. حتى هرعت أسأله ..عمن سينزل اجازه , ومن الدفعة اليوم .. وان كان اسمى فيهم ام لا .. فسمعت ضحكته المتميزة .. وعيناه لم تغادر الورقة .. والقلم وهو يهز رأسه بلا يجاب .. فاكتفيت بإشارة راسه دون ان ادعه ينطقها .. فقد فهمت أن اسمي فيمن سينزل إجازة اليوم .. حتى انطلقت كالطلقة .. صوب عنبر المستجدين .. بعد ان القيت له سيجارة على الدفتر .. وفى لمح البصر كنت أمام الدولاب الخاص بي .. فتحته بيد .. ورحت افك ازرار السترة بيدى الاخرى .. وفى الحظة ذاتها كانت رجلاى تتخلص من الحذاء ” البيادة ” خلعت حذائي .. ثلاث دقائق فقط .. بالبدله الزيتي المكوية ” زى الفسحة ” والبيادة النص ملمعة .. فقد كانت اطرافى كلها تعمل فى وقت واحد .. ومخي سارح في البلد .. وكأنى أصبحت ألة كهربائية , او مكنة .. خرجت . وقفت بجور العنبر .. أمام مكتب الافراد في الو سعاية .. التي تطل علي ارض الطيور ومكتب العميد والبوابة وعيناي علقت على مكتب العميد .. قرب البوابة , والمطلة على ارض الطابور.. والجنيه التي في الفناء .. والعنابر, والميس , وكل شئ فى الكتيبة .. أشعلت سيجارة .. وانا احاول ان أهدأ نفسى , وأسكت إطرابى المتذيد .. والتوتر .. وشعورى بالجوع .. منتظر نزول اليومية من ” فوق ” .. من عند العميد .. اقتربت من خدمة السلاح ..الواقفة تحت ” التنده” الصغيرة .. لتحتمى بها من حرارة الشمس سألته على الغداء .. ضحكة بصوت مرتفع .. متهكم
” انت مش نازل اجازه ومروح اجازه النهار دة بتسال ليه علي الغداء بقي ” ؟!
ـ ولكن سأتأخر على النزول.. والواحد منا جاع .
وارتفعت قهقهات ساخرة
ــ” أكيد أكيد أنت يا يولد..داخل الجيش على طمع”
ودار الحور بيننا.. واخذنا نضحك .. ويسألاني عما سأفعله .. حينما اخرج من الوحدة ..واروح البلد .. ؟ وطلبا منى ان افتكرهما في الإجازة .. واسلم لهما على أبواي .. والاصدقاء , والاحباب وان افتكرهما برصك .. بحاجه حلوة اجيبها لهما وانا جاى ووعتهما بذالك ……
داخلني شعور غريب .. مذيج من الفرح .. بالنزول الاجازة ..لأرى أهلي , وناسي , وأحبائي وفي ذات اللحظة الحزن على فراق اصدقائى .. الذين أكلت معهم عيش وملح .. والمكان الذى الفته حتى صار في دمى .. وكذلك المعسكر, والمباني والمعدات .. وكانت الدقائق تمر ببطء شديد جدا .. استاذنت من الخدمة .. ونصرفت سحبتني قدماي الى المغسلة .. جلست تحت شجرة الكفور الكبرة أستظل بظلها .. والهواء الجميل يداعب الأورق علي الأغصان .. والشمس تمرر شعاعها .. ليقع ضوئها على الارض ..على هياة دوائر صغيرة .. تتراقص.. والعصفير تزقزق .. والقمرى .. والهدوء يلف المكان , فى جو شاعرى .. أشعلت سيجارة أخرى ..
كانت فى جيبى .. ورحت انظر الى أغصان ألأشجار , وهى تهتز .. وترقص مع الريح .. لتصدر حفيف جميل .. والورق الأصفر يتطاير فوق الارض , بكثافة .. مما جعلنى أغوص فى تأملات عميقة .. في هذا الوكون .. وكل شيء في الوجود .. شجر الكفور يملأ الصحراء بكثافة .. وانا منذ اتيت الى هنا .. وانا بحلم فى يوم استيقظ فيه.. واجد جميع اوراق الأشجار قد سقطت .. أو جفت , أو نشفت .. فالأورق تلوث قطاع النظافة .. الموكل به كل صباح .. انا وثلاث نفر من زملائى .. واحد يكنس , والثانى يلم ألأوراق .. والثالث يروش .. والرابع يسيحف الارض .. تقس يومي .. لا يمكن ان ينفك أو يتغير .. الا بالموت .. أو الاجازة التي انتظر تصريحها ألان .. نظرت الى ساعت معصمى .. فوجتها الثانية بعد الظهر .. ها هو ” محمد عبد الهادي “.. لم يزل يتمشى .. وهو نازل من عند العميد .. بعد ما مضى اليومية .. يتطوح فى مشيته .. يتمايل .. وهو يغنى اغنيته المفضله . “علمني حبك يا مرأة .. أن ادخل مدن الاحزان ” هرولت العساكر نحوه.. أحطنه من كل جانب .. كالنحل التفوا حوله .. سألونه بلهفة عن أليوميه .. هل إتّمضت أم لا .. ؟ …وهو يصرخ فيهم .. ويدفعهم عنه .. ويقهقه بصوت عال .. ويجري
ــ ” يا عسكري يا طلبه.. منك ليه , له. له. له ..”
يجرون خلفه يلحقون به .. يشدّونه من كل جانب .وهم يستحلفونه برحمة أبيه , وأمه .. بأن يجيبهم فيضحك وهو يجيبهم ..
– ” أنترجونى شويه كمان ”
– ” يارب تعلق شريطين كمان ”
ينظر الى كتفه بفخر .. واعتزاز ..
ــ طاب روحوا البسوا بسرعة.. وحذارى , وياك, أشوف حد منكم فى الميس .. أرشقوه على البرج .أو البوابة .. إنتوا عوزين تأكلونا بذر وجدر ولا ايه .. انا عارفكم دخلين الجيش على طمع يا ولاد الذين ..ههههههههه ..ههههههه .. ههههههه
إنسان طيب القلب .. مرح .. ومتواضع جدا
وقبل أن يصل الى مكتب الافراد .. مارا بأرض الطابور.. والمنصة , وعنبر المستجدين .. وعندما يسمع الشويش ” فراج ” صوته.. يقف على باب مكتب الأفراد.. يزعق , وينتر فيه.. وهو يبتسم
ــ ” روحوا البسوا قوام ..عشان أديكم التصريح .. ومحدش يجينى لوحده .. كلكم تدونى تمام أمام المكتب .. عشان أديكم التساكر.. وتطلعوا مع العربية .. من الشرطة العسكرية.. وتوصلوا بسرعة وتلحقوا القطار.. وتروحوا بدري شوية في النوارة .. ووعوا تتاخروا في العودة.. واللى هيتأخر ساعة واحدة .. عن معادة هعتبرها له يوم غياب.. وانتوا حرين .. وانا مش مسؤل عن حد ”
اسمع من يقول معى
ــ ” تمام يا يفند ”
وهو يقول لنا
ـ ” أتفضلوا روحوا ادخلوا العنبروغيروا ” ويدخل ” محمد عبد الهادى ” مكتب الافراد .. مع الشويش ” فراج ” لكى يكتب التذاكر .. وهو خلفه يرفع بنطاله على حقويه بيده .. والاخر على كتف ” محمد عبد الهادى ” وانا اتحنن فيه كى يعطينى التصريح .. حتى أمشى وأحصل القطار.. فرفض.. وانتظرت.. حتى اخذت التصريح سلمت على خدمة السلاح .. والبوابه .. ثم مرقت كالطلقة للخارج .. ”
إنتبهت كان القطار مزال واقفا فى المخزن .. يستقبل الركاب .. أرى أناس تصعد لتشغل المقاعد الشاغرة لزويهم .. وأخرين فى ردحت القطار.. فى انتظار أخرين على الرصيف .. يزدحم القطار بالواقفين على اقدامهم فى ردحت القطار.. والذين بين الكراسى .. والجالسين فوق الرفوف وخلف الباب .. سعات قلائل واكون فى بلدي ..” علىك ان استحملهم علي أي وضع “.. .. هكذا حدثتني نفسي
تململ صديقي النائم بجواري .. أصدر صوتا يشبهه الغطيط .. عدل من جلسته على الكرسي .. ثم راح فى ثبات عميق .. يغط فى نومه من جديد وله شخير
” النوم مملكة .. وصديق ظريف ان طلبك اراحك وان طلبته أعنتك .. حقا إنه لمخلوق عجيب وعالم ساحر لطالما حير العلماء .. والباحثين .. على مر العصور والاجيال .. إنه لغز إلأغاز وسر الاسرار .. الذى لم يستطع كائن من كان , وإلى ألأن .. ان يفك شفرته , وطلمسه , كل ما أستطاع الباحثون , والعالمون حياله .. أنّ يدوروا , حوله , ويطوفوا .. من غيرأن يستطيعوا الدخول إلى عالمه الغريب .. ومملكته الساحره .. ذاك الحارث على بوابة الغيب البعيد ”
أخرجت إستمارة السفر الخضراء .. الراقدة في جيبي .. نظرت في التصريح المطبوع في ظهرها أخذت اقرأه للمرة العشرون ………………..؟؟!!
” يصرح للمذكور …… بالغياب عن الوحدة من تاريخ …..إلي ….. ” …
أول شيء سأفعله..عندما أصل الى البيت .. كوب من الشاي الساخن ..أعدل بيه دماغي .. ثم بعده حمام ساخن .. أزيل به وعثاء السفر.. ثم أكل لقمه ساخنه .. وقبل كل ذالك أخلع الزى الميرى .. ثم انام نومه عميقة .. دون أن يقظنى أحد ..
ــ سأنبه عليهم وأخبرهم بذالك ”
أدخلت التصريح في جيب السترة الميرى .. يدي تصطدم بالردىو الترانزستم الصغير.. الذي اشتريته من الدفعة ” إسلام ” بمركز التدريب .. لأقتل به الفراغ , والملل.. قربته من النافذة .. ادرة المؤشر .. صفع اذنى صوت أجش .. كان تعليق على نشرة الاخبار .. لا بأس .. فأنا أحب قراءة الأخبار في الجراد.. ومتابعة برامج الفضائيات .. وبرامج ” التوك شو “وعالم التواصل الاجتماعي .. وخاصة “فيس بك ” وتوتي ..
” إسرائيل مازالت تواصل .. اعتداتها على قطاع غزى .. وستفززاتها ببناء المستوطنات .. وعدم رضوخها للقوانين الدوليه ..”
” لا تستمع لاى نداء.. صمت اذنيها .. وكأنها لا تسمع .. ولا ترى .. وامركا تكيل للعالم العربى بمكيالين بعدما نصبت نفسها كشرطيا على العالم الثالث “..
خنقت.. ولم أستطع أن اواصل الأستماع .. أدرت المؤشر مرة اخرى .. شنف ازنى صوت العندليب وهو يشدو .. ويصدح بأغنية وطنيه جميلة , محببة الى نفسى حداً.. فرحت اردد معه بصوت خافت
” احلف بسماها وبتربها .. احلف بالمدني وبالمدفع .. ما تغيب الشمس العربية… طول ما أنا عايش فوق الدنيا .. احلف يسماها وبتربها .. ”
برهة قصيرة تسلل النوم خلسة .. الى عيناى المتعبه .. فأنا لم اذق طعم النوم منذ لليلة امس .. وقبل ان يحاول النوم سرقت عيني .. وقبل أن أستسلم اليه تماما .. طرده صوت أجش جهورى ,عالى جدا .. لرجل أدم ضخم إلجته .. جالس فى اخر العربه .. يزعق بكل صوته على ولده .. يناديه .. ينهره ويأمره .. ان يجلس مكانه .. حتى لا يتشاجر مع احد .. أو يجلي مكانه أحد .. وإبنه يرد عليه .. وهو يضحك ..
ــ ” تعبت من الجلوس يابا… والقطار باقي على قيامه نصف ساعة ..”.!
وقفت..عدلت من هندامي..ورميت بصري من النافذة .. أتابع الشمس التي تسحب عباءتها البرتقالية لتختبئ خلف الجبل .. سرح عقلي بعيدا .. وتذكرت أول يوم .. التحقت فيه الى قواتنا المسلحة …….

أضف تعليقاً