اجتمعَ الناسُ وقد أخذَهمُ الذهولُ حولَ حمار ٍفي ساحةٍ يرتادها الناسُ عادةً، الناسُ المحترمون، ظلّ الحمارُ ينهقُ منذ صياحِ الديكِ الذي أخرسَهُ النهيقُ و قطعَ عليه صَلاتَهُ الصباحية ، سكتَ الديكُ ممتعضاً من صلفِ الحمار وبقيَ الحمارُ ينهق كذلك انهتِ الكلابُ نباحَها وهي تُنصِتُ إلى نهيقٍ متصلٍ على غيرِ العادةِ مُرجحةً أن أمراً ما قد حصل ، وحدَها الأحصِنةُ كانت صامتةً فهي لا تصهلُ أبداً عندما تنهقُ الحمير استيقظ َالناسُ وامتلأتِ الشوارعُ والطرقاتُ بالناس ولازالَ الحِمارُ ينهقُ دونَ أن يكلّ ، انهالَ عليهِ رجالُ الشَرَطة بالعصيّ و لازال ينهقُ ولكنْ هذه المرة بطريقةٍ خيّلَ للناس أنها تشبه الضحكَ من عصيهم مكشرا عن أسنانه البيض ذات القواطع الكبيرة وهم يحاولون سحبَه من أذنيه الطويلتين وجرَّهُ بالحبالِ بيدَ أنه أحرنَ ولم يطاوعْهم وهو يصمّ آذان المارة بنهيقه ، فكر الناسُ أنّ هذه هي المرة الأولى التي يرون فيها حماراً يواصلُ نهيقَهُ دونَ انقطاعٍ كلّ هذه المدةِ وعدّوهُ أمراً استثنائياً ولم يكن احتمالُه لكل هذه العصي تلسعُ ظهرَهُ ومؤخرتَه عجيباً فهم يعرفون صبرَه الطويلَ ولكنهُ أعلن لآول مرةٍ عن أنه يملكُ قواطعا كبيرةً جعلت رجال الشرطة يحسبون حسابها ، تجمّع الناسُ مثل بعوضِ البرديّ في الصيف يستجلون الأمرَ بطنين لا يُسفرُ عن شيءٍ ، يتسائلون عن نهاية هذا النهيق وما الذي سيفضي إليه وبينما هم منشغلون بالحديث عن حالات تاريخية نادرة كانت فيها الحمير تنهق بحماس لكنهم لم يذكروا شيئا عن نهيقٍ متواصل وحينَ تنحى رجال الشرَطة سمعوا جميعاً الحمارَ وهو يتكلم شاكياً بصوتٍ جهور وبلغة العرب الفصيحة قائلاً:
– طوال حياتي أشعر بالتعب وإنني أُكَلّفُ بما لا أطيق وإن جهدي وكدّي لايعود علي إلا بمزيدٍ من العصيّ ويشتد الضرب على ظهري كلما ساهمتُ بما يشد عضدَ صاحب العربة ، قبلها ما كان أمام أي واحدٍ من أسلافي إلا أن يُعد ظهره لأحمال لايطيقها البشركنتُ أسمع دائما همهماتِ ألمٍ حيالَ العصا الغليظة والأحمال التي تنقض الظهورفيأخذني العجب لسكوت الحمير وصبرها الذي يبدأ بآه ولا ينتهي بآه حتى نسينا أننا نملك فكوكا قوية وأسنان قاطعة، لم أظن يوما أن العصا ستلسع مؤخرتي ويوما بعد يوم بدأ ظهري يُعد العدة ليعاني ما عانتهُ ظهور الآخرين وأنا أحفظ عن ظهر قلب أهات أسلافي الطويلة آآآآه…..آآآآآه.
بعد آهتين طويلتين والنقطة التي أنهتْ ما قاله الحمار ساد صمتٌ مطبق على أنحاء المدينة ، ينظر الناس بعيونٍ مستفهمةٍ إلى بعضهم ومن ثم إلى الحمار الذي بدا مهطعا برقبته الطويلة إلى الأرض منسلاً من بين عصي رجال الشرَطة وهم مشدوهون وقد أخذتهم الرهبة أيّ مأخذ، ولما اختفى الحمار كان الجمعُ يسألَ بعضَه :
-أحقاً ما سَمِعتُ… أم أنا أتوهم يرد عليه الآخر:
– أسمعتَ أنت أيضا أم هو خيالي الذي اشتط وذهب بعيدا
وانفضّ الجمعُ وهو يتسائل أحقا ما سمعنا، ورجع الناس إلى بيوتهم وكان الحديث بعد الغداء عن وهمٍ أصابَ الجميعَ في لحظةٍ واحدة، نام الناسُ واستيقظوا و ظنّ كلُّ واحدٍ منهم أنهُ رأى وسمع حماراً يتكلم، حمارا عربياً فصيحاً وكان الجمعُ يقول عجبا لقد مرّ علينا الحلم ذاته الليلة البارحة ، فأنا وجاري وجارُ جاري قد رأينا الحلمَ ذاته، أليس ذالك عجيباً ثم بعد ذلك صمت الجميع وزاولوا أعمالهم كما كانوا يفعلون بعد كل حلمٍ يرونه في المنام أو يتوهمون أنهم رأوه.
فيما تبقى من زمن المدينة كانت الحمير هي الحميرفي زوايا زرائبها وأثناء كدحها في الشارع وراح الأطفال الذين وُلِدوا فيما بعد وقد أسمعتهم جداتهم حكاية الحمار الذي تكلم ذات يوم ينتظرون حادثا مماثلا وهم يُلاحقون الحمير التي تجر عرباتها دون جدوى وراحت الأيام تترى على الناس والحمير ولم تتبدل سحنة الأيام سوى حصول تغيرٍ طفيفٍ بعد ذلك إذ راج في السوق تمثالٌ صغيرٌ لحمارٍ يرفع رأسه ويُكشّر ضاحكا مفتراً عن أسنانٍ بيض وراح الناسُ يسعون لاقتنائه ووظعه في صالونات البيوت.

أضف تعليقاً