رجلٌ أربعيني أو ربَّما تجاوزها قليلاً ، طويلُ القامةِ، نحيلُ الجسمِ، أصلعُ الرَّأسِ، لطيفُ الملامحِ، قررتُ استضافتهُ في بيتي، لاسيما أنَّ مطالبه جدُّ بسيطة، بضعُ أكوابٍ من القهوةِ المكثفة، وقلمٍ، ورزمٍ من الأوراقِ البَيضاء، وهو لم ينسَ أن يصطحبَ معه عدداً من الكتبِ التي وُضعت على رفوفٍ أنشئت في الغرفةِ التي خُصصت لإقامتهِ .
كانَ يقضي يومهُ على كرسيه، قارئاً ومتأملاً في كثيرٍ من الأحيان ..وفي بعضِ الأحيان كاتباً، وأغلب الأوقات كانَ ينامُ بمكانِ جلوسهِ.
بعضُ كتاباته يُصنفها، وكثيرٌ منها يعجنُها و يرميها،
حاولتُ شدَّه بهدفِ التَّسلية، للعبة نردٍ أو ورقٍ أو لمشاهدةِ فيلمٍ، لكن لم يرقهُ ذلك أبداً، وأظهرَ امتعاضاً شديداً من طلبي، تركتهُ معجباً بوحدتهِ المختارةِ وعالمهِ الخاصِ.
لكن مع مرور الزَّمن تصرفاته الغريبة، أثارت غضبي وغضب أهل بيتي، لذلكَ قررنا تجريدهُ من قلمهِ وأوراقهِ.
فغابَ عنهُ الشَّغفُ والحيويةُ، ولم يعد يحتسي القهوةَ كالسابق، لقد غدا مُكتئباً.. مُحدقاً في اللاشيء،
ويوماً بعد يوم كانت حالتهُ تسوءُ أكثر، ووجههُ يزدادُ اصفراراً.
وفي صباحِ يومٍ دخلنا غرفتهُ، فوجدناه مرمياً بين الأوراقِ المهملة، فاغرَ الفمِّ، باردَ الجَسدِ .
ارتأى أحدهم فحصهُ من قبل أحد النُّقاد القريبِ من دارنا، وفعلاً خلالَ وقتٍ قصيرٍ، حضر، وأبلغنا بكلِّ أسف نبأَ وفاتهِ بسببِ السَّكتة الإبداعية.
كان حزننا عليه كبيراً ولومنا له كبيراً أيضاً:
“لماذا اختارَ هذه الطٍَريقة بالحياة ؟!!”.
وبعد إجراءاتِ الدَّفن، حاولنا التَّخلص من أشيائهِ، فذهبنا إلى عددٍ من دُورِ النَّشر معنا مؤلفاته، لكن جميعها اعتذرتْ لعدمِ توافقِ المُنتجِ مع مُتطلباتِ سُوق القَارئِ الحالي، وفجأة تذكّرتُ صديقاً يعملُ بأحد هذه الدُّور، وطلبتُ نجدتَه فاستجابَ لطلبي قائلاً:
“أعطني إياها سأرسلُها لصديقٍ يعمل في أحدِ معاملِ الورقِ، هو سينقذك وسيعملُ على إعادةِ تَدويرِها .!!”.
- إعادة تدوير
- التعليقات