لا أدري، كيف وصلت إلى هذه الحالة، رجوت أصواتهم وضحكاتهم، أن تسكت، حطمت المذياع والتلفاز، عطلّت كلّ مايصدر أزيزاً.
دخلت غرفتي، أغلقت نوافذي، أسدلت ستائري، وضعت على عينيّ عصابة سوداء.
لم أعد أسمع صوت طائر الحديقة، يغرد بصوته العالي، ويرتب صباحاتي بأغنيته، التي لايغير إيقاعها، كان هو الشكل، وكل العصافير الأخرى، بفوضى زقزقتها، خلفية – حسب “الغشتالت”-، إلى أن تتدخل الغربان المشاكسة، وتشيع النشاز في الجوقة.
ألقيت جثتي فوق السرير، أزعجني تلامسها مع الفراش، ليته كان غيمة، أو هواء، كعادته، قفز كيوبيد من اللوحة المعلقة، بجسمه الضئيل، ممسكاً بيد جنية الأسنان، وأخذ يذرع جسدي، وينقرني بسهمه مداعباً، وقف فوق قلبي، يقفز مع كل دقة، ويتشقلب في الهواء ضاحكاً، لم أحفل به، فرك عينيه بدمعة، ووضع يديه خلف ظهره، وشوش جنية الأسنان، التي كانت تتأرجح على أهدابي، وشوشها بحزن: لقد كانت أكثر النساء طفولة، لعلها كبرت!.. رحلا إلى اللوحة، وصمتا.
لم أعد أسمع طرقات أيديهم على بابي، فحطموه، لم يتركوني بسلام، لاأريد الموت.. لاأريد الحياة.. فقط، إغفاءة في فراغ ما، بعد أن سمعت أناتهم، حتى أتخمت، ذرفت دموعهم مني، حتى جفت غيمتي، قهقهت ضحكاتهم معهم.
عندما جاع حبيبي، غرس أصابعه في صدري، وأخذ قلبي قوتاً، يعينه علئ حب جديد، حتى رحمي، أخذته إحداهن، وقالت: إنها ستعيده، ولم تفعل، فصارت أماً لأولادي..!
لقد بثوا في أوجاعهم، فتشوا دمي، واصطفوا منه خضابي، لم أعد أحتمل، سكنني الفراغ، وسكنته، فسقطت كلاً واحداً في الصمت.
قالوا: “ماعادت منا”، سرت معهم، يحملني الفراغ، إلى حيث، رأوا أنني أنتمي، إلى المجانين في قصرهم، تحت أول سرير، استلقيت، دعاني أحدهم، للّعب والسير، من تحت خط مرسوم، على الأرض، فما استجبت، وجدوني غير متكيفة، إنها ليست منا، إنها ميتة. في آخر الليل، وجدتني، أسكن شيئاً ما، يتحرك برتابة، أتقلب فيه، كحشرة في علبة ثقاب، كنت محاطة بضجيج من قصص الأموات، تنساب من توابيتهم، كان هناك قيس بن الملوح، ينظم قصيدة، لم يسمعها أحد في ليلى.
من تابوت آخر، نحيب أمهات ثكالى وأرامل وغناء طفلة، تتابع هدهدة دميتها، قبل ان يغطيها ركام البيت، شباب خطفتهم الحرب، فسموهم شهداء.
سكوتي أفزعهم، أولعلّه الفراغ في تابوتي، استفزهم، فدفعوني، إلى قارعة الطريق مستنكرين: حتى أنها ” ليست ميتة”.. تدحرجت إلى عمق الغابة، ففقد فراغي وعيّه، إلى زمن لم أعلمه، عندما استيقظت، لم أستطع الحراك، كانت قدماي ثابتتين في التراب، يداي أصبحتا غصنين لشجرة صرتها! شجرة يابسة قوية، ألقيت نظرة إلى جوفي، كان خاويا،ً يرجع صدى الأصوات في الغابة، زقزقة طيورها، وزعقات سناجبها، وهي تعبر جوفي، وتستبيح فراغي، في سباق محموم لسكناي.
أشجار الغابة، تهامست حفيفاً ساخراً، من غرابة شكلي وعريي، سقطت أوراقها غلا،ً من قوة الصمت في حفيفي.
في ذلك الصباح، هوى حارس الغابة، بفأسه على جذعي، وفصله عن جذوري، التي بقيت في الغابة، تتغذى من ترابها، وتشرب من مطر السماء.
رأيتني سعيدة، عندما صنع مني بنّاء عموداً قوياً، وضعه وسط كوخ، بناه سند سقفه، وثبّت أرضيته، فصدحت ضحكات طفلة، وغطت هيكلي براعم.

أضف تعليقاً