عندما شاهدها لآخر مرة، لم يكن ليدرك أنه يحلم بالعمى، أو اختباره لإثبات حقيقة مشاعره، متنزها عن غريزة البشر التي باتت محرك الأشياء. فستكون لحظة مفارقة، يدخل معها في عمر جديد. فقد كانت أمنيته، طيلة سني حياته، أن يراها وتحسسها، معلنا بعدها موت حلم اليقظة، الذي سبغ حياته متنقلا بين الألم والأمل. هو خيار صعب، لأولئك الحالمون ببعض حياة وأولاء الذين نفذت حكاياتهم على قارعة ذات الأمل.
فلا عدالة مطلق في العشق!!
ولا تنمو أزهاره في رأس الأشجار، وحتى ثمره لايصحّ لموائد الطعام، وكل الغرابة أن نسعى لامتلاكه، دون الحاجة إليه ماديا، اللهم إلا زينة نسعى لأن نحلّي نفوسنا فيها!! أو تحفة نتفاخر بها في مفاوز الأنا والعلوّ، تماما كما نقتني اللوحات الغالية الفاخرة، نعلّقها على جدران لا تساوي علبة لفّها يوم الاقتناء.
وكم من هؤلاء كان اشترى أشياء كتلك لم تستعمل أكثر من يوم لتجريبها في أحسن الأحوال.
كان الخيار صعبا بمقاييس الربح والخسارة الذي يزن حياة الناس المادية، فالخيار حياة، والقرار امتحان للصبرن والقدرة على تحويل القادم إلى جوهر حياة.
فالثمن سيكون بصرهن مقابل حلمه، لتكون المقاضاة عادلة.
من سيقول له مبارك عليك البصيرة؟
وهل من أحد سينعته بغير الجنون؟
وحده يعرف أن البصيرة تلك هي أمّ البصر وجوهره، ودلّت عليه كتب السماء التي لم نأخذ منها سوى أن الحياة متاع، ونغلق الصفحة، ولا نكلف أنفسنا بأن نقف على نقطة.
لم يكن بحاجة لتجارب يختبر بها رحلة التيه، في عالم تختفي فيه كل الأشياء وتصبح فيه اللوحات مجرد قطع من ليل مظلم.
فقد ملّ كل تلك البهرجة الفارغة المال، والجمال، وحتى العالم الذي يبني وجوده من رسم الأحلام، وغدت الصورة مقياسا لفقد لذة الكلام.
فما حاجة قيس لوصف ليلى ما دام سيضع صورتها على منصات التواصل الاجتماعي والاختراع المسمى”انستغرام”ويحصل على إعجابات الملايين، تمدح ما رأت بعد أن تفحصت جنسيا كل إثارة.
فلا وقت لسماع معلّقة أو بيت من الشعر يصف الحال بنقاء، وغدت علوم البديع والبلاغة سيفا مسلطا على رقاب طلابنا، نجحوا أم رسبوا.
ولسنا بحاجة لكذب بشار بن برد وعاطفته، عندما أمطرت عينا محبوبته لؤلؤا من نرجس وعضّت على عنّابها بالبرد. وأعيبنا عليه في بياض عينيه.
كاذبون أولئك الذين اختاروا البصر لعشق الروح، غير المرئية في الخلقة، والعصية على كادر الصورة، وأودعها الخالق جمال خلقه.
انتفض
وصارع بداخله آلاف الصور، كمن يودع زيف الأشياء للدخول في عالم البصيرة السرمدي. فلا تشيخ الصور بعد الآن حيث ترتوي من مداد الروح حيث الله.
ستكون عالمه القادم، يألف معها المكان، يهتدي بصوتها كمصباح، وحفيف حنانها، يتحرك في عشقه، دون الاصطدام بالزيف، فاشا روحه الغارقة فيها، فلا ينازعه بنوره المكتسب أحد.
ألم نرسم جميعا صورا بوهيمية لبلاد ما رأيناها ونتوق بالهجرة إليها وذخيرتنا أننا سمعنا عنها أحببناها وقمنا بلعن واقعنا، فكل منا أدخل عليها في روحه محسنات ليتم قبولها كما مرّت في دائرة حلمنا.
هي إذا صورة غير موجودة بل مرسومة، كما نقرّ لأطفالنا صور الملائكة ومن هم في اللاوجود المحسوس.
فمن منا لم يتخيل حبيبته ويبني لها صور تقترب من الكمال، ونضعها مقياسا للقبول!!
كم هو غير عادل ذلك العشق المبني على الصورة، التي غابت في جوهر الايمان، فترانا نؤمن بالغيب مع الله وننكره في رسم حياتنا عشقا وحبا.
لقد اختارها إذا…!
ليضعها في ذاكرة الطفولة التي لا تشيخ مع الأيام، ولا توي أمام الخطوب.
هنا تذكر حب أبويه حيث نكون في معادلته وتكوين الصورة مازلنا صغارا نرتع ونلعب.
لقد لفّ الظلام كل شيء إلا هي، وما زال يكب لها ماء حبه كزهرة لا تذوي أبدا.
- إلا أنت
- التعليقات

