كلاليب وخطاطيف تنتشر بأرض الساحة ..
وجه أمى فى إفريز ضيق ناحية الحائط .. الحائط ملبد بشبابيك عديدة عالية ..
الشبابيك إتساعها بالعرض , والعرض مستمر لسنين طويلة ..
غير ان الشبابيك لا تخلو من وقفات البصاصين السفلة .
فى يوم ناحس تجرأت بالسؤال عن اسماء المارين بالشارع المطل عليه جدار حجرتى الضيقة ..
قبلها كان بيت جارى يصرخ تحت وطأة ضربات المعاول المتلاحقة ..
البيت يكاد أن ينهار ..
ساعتها سمعت من يقول : ـ
إلزم مكانك ؟..
لم أحترس ..
أكملت السؤال ؟..
بعد هنيهة ..
تعلقت رقبتى الضامرة بإحدى الخطاطيف السابحة فى الفضاء المستباح فى كل موضع .!.
.عندها “لطمت” أمى خدودها المتقيحة من الندب ..
نادت فى الفراغ المشتعل من حولها :ـ
{، ولدى جائع .. ولدى جريح ، والسوط صريح ، هل من فارس ؟}
ركلها رجل تأكل الطير من فوق رأسه ..
تضرعت طويلاً عند كل العتابات الرخامية ..
{ولدى عود أخضر لا يقوى على الوقوف على قدم واحدة طول العمر}.
ـ عند تلاقى شعاع الشمس مع مطارق الحدادين فى باحات الشوارع هنا وهناك .
قال أحد (شمشرجية) السادة البهوات : ـ
يا أم ؟.
عليك ان تفتدى ولدك ؟.
ثم إختفى خلف معطف (كاكى) ياقته كان مطبوع عليها بحروف كبيرة ..
انا الخادم القاتل ..
وأنه ..
إلزم مكانك ؟…
لم تقو عيون أمى على إطالة النظر فى جو السماء المبلبد بالغيوم القاتمة , ولم يسمح لها برؤية إنحسار المد .
نثرت ما تبقى من شعـر رأسها الأسود الذى كان ينهدل فوق كتفيها ذات يوم قريب على بلاط الطرقات الموصلة للشبابيك العالية والحجرات الضيقة .
صرخت مرات ومرات ..
شعر رأس ولدى قصير لا يسد رمق الحراس . ، وحراس الحكام والنخبة دائماً ما تستمتع بكل ما هو طويل ؟.
.. فوق تلة عجفاء ، والليل ينشر خيوطه الغامقة فى كبد السماء .. وقف من ينادى بصوت أجش : ـ
يا أهل الساحة ؟.
أنا (هيامون) المتحدث الرسمى : ـ
هذا النداء الأول والأخير : ـ
حان وقت الفداء .
الإبن بالإبنة ؟.
والزوج بالزوجة .
ولكم فى التفادى حياة ؟.
انتهى المرسوم .
ـ فى صباح اليوم التالى فرغت الديار من أهلها ..
تراصوا كالطوب اللبن فوق جسر هار.
والآنين يهز حلقات القيود بأيديهم .
بعد مضى ساعة أو يزيد .
حمل أبى الكسيح فوق ظهرة بقايا حطام أمى .
وهمس بصوت لم يبارح شفتاه متراً واحداً : ـ
يا أهل البوادى ؟..
يا كل البشر ؟.
من يشترى بقايا إمرأة إختيرت فيما مضى ملكة للإمهات المثاليات ، ولبابة رأس شيخ فقد نصف شعرها ؟ ..
رجل كان ليوم قريب يغط فى بحورالغبطة والنعيم المقيم ، وكانت داره ملعب للأطفال الصغار ، وقلبه جرن فسيح تدرس فيه أعواد القمح والشعير ، وصدره شونه لتخزين أكياس القطن طويل التيلة بالقناطير.
ـ كرر النداء حتى بعـد أوان العصر ، والعصر فوق الروؤس المنكسرة يقوى مخالب الغربان ، ويسن أنياب البوم على أفمام الشوارع والحارات الضيقة .
ولا مجيب ؟…
غير إلزم مكانك.

أضف تعليقاً