كانوا يظنون أن الجنية تسكنني، بينما هي ترافقني كأية امرأة ، تضع يدها في يدي ونسير
كأي حبيبين، أو تضع رأسها على كتفي، وهي بجانبي، وتحلم بعالم يتسع للإنس والجن وتختفي فيه كل الحدود والفوارق، وأحيانا تعانقني، وقد تمنحني قبلة، لكنهم لايروا سوى شفتي تطبع قبلة على خد الفراغ، ويجزمون أكثر أني مجنون، ولايقتنعون !
وكيف أقنعهم !؟ كيف أمنحهم عيني لينظروا من خلالها ويروها وهي تمسك يدي !؟ كيف لايلتفتون الى عيونهم التي لاترى ماأرى !؟ كيف
لايسألون عن العطل الذي يسكن عيونهم !؟ كيف
لاينتبهون الى جنونهم الذي يدعي وجود جنية
لا ولم يروها !؟ وتسكنني.. !؟ كيف للعميان أن
يأكدوا للمبصر أن مايراه تجلٍّ خادعٌ !؟ كيف للعميان أن يحاكموا مبصرا على ما لن ولم يروه !؟ لِمَ لايتركوني لجنيتي ويلزموا حد عيونهم، مادمت سعيدا بها وسعيدة بي !؟ وما
الذي يتعسهم ليتعسوني معهم !؟
ولم يتركوني لجنيتي، لسعادتي التي حُرّمت عليهم، فسلطوا علي تعاسة عيونهم التي لاترى،
ولم يستوعبوا قط أنها لاتسبب لي أي ألم، وأنهم
الألم من قبل ومن بعد، واتهموا الجنية بي، وأقسموا أن يطردوها كمكتري لايريد أن يفرغ دارا كانت للكراء، فاستقدموا فقيها ضليعا في طرد الجن، وعاقبوني !
كنت أصرخ، وقضبان الفقيه تتكسر على جسدي،
بمنتهى القسوة، وهم يسمعون جنية تصرخ، ولايرون غير جسدي تتكسر عليه القضبان، ويستزيدون، بحقد وتشفي، أكثر فأكثر، ويُحكِمون قبضتهم علي، كي لاأفلت من قضبان الفقيه، وتفلت الجنية معي !
وكنت أحضنها بكل جسدي، وأتلقف عنها كل الضربات، وأناشدها أن لاتتركني، وتذهب، حتى
لو قطَّعت قضبان الفقيه آخر أنفاسي، ولفظتُ روحي. إذ كنت على يقين قاطع أني لن أستطيع
أن ألفظ روحي دونها، أو أعيدها الى صدري لأحيا من جديد، لأظل على التخوم بين الحياة والموت كحد السكين، لاأحيا و لاأموت !
لكنها قررت التضحية لأجلي، كي لاتمزقني قضبان الفقيه، وقضبان آذانهم وهي تسمع صوت صراخي صوتا لصراخ جنية، وعيونهم التي ترى تشنج جسدي وتصادر ألمه منه لتنسبه
لجنية لاتراها. وحسمتْ أمرها، فتركتني، وذهبت، فتوقف الفقيه رافعا قضيبه الأخير الواثق من النصر في وجهي، متوعدا الجنية: إن عدتِ، عدتُ..فتوقفوا، وتدافعوا ليتفقدوني كدار أُفرِغت !
وصرت خربة وسط ديار عامرة، بعد أن استحال الفقيه سدا بيني وجنيتي، وحدث لي مايحدث عادة للخرب، وبال خلف أسواري عديدون، وكان قد فاتني أن أغلق أنفي ولاأشم مزيدا من الرائحة. صرت مشرعا كأية خربة، محطما مثلها،
ونسوني كميت لاتحتفظ بذكراه خربة منسية !
لكن بومة أحيت شكوكهم، وشكوك الفقيه من جديد، وأحيتني، بعد أن سكنت بين أحجاري،
وظنوا أنها الجنية وقد تنكرت في جسد بومة وعادت الي. فتدخل الفقيه واحتجزني، وأمرهم
بإلقاء القبض على البومة، وجلبها حية له، ليتثبت من هويتها كجنية تتخفى في جسد بومة. ولما تسلمها منهم، بعد أن أمسكوها للمرة الأخيرة، حيث كانت تزداد شكوكهم مع كل مرة كانوا يفلتوها، وأيقن قطعا أنها بومة كسائر البوم، أطلق سراحي، وراح ليبيعها في سوق العشابين !
وعدت خربة مهجورة، لايسكنها طير، أو يلوذ بها
مشرد، حيث شكوكهم، وشكوك الفقيه، لاتعفي كائنا أو أحدا، فالكل متهم حتى تثبت براءته من
جنية تتجلى في أي شكل وجسد. وأخذ موتي
شكل نسيان يطول أبعد من عمر محدد، وحياتي
روح خربة و خربةروح وهي ترى نفسها تندثر كل لحظة !
ولم أتحمل، وقررت أن أنتهي وأندثر، ويهوي ماتبقى مني على ماتبقى مني، علَّ جنيتي تعود
إلي، وتسكنني من جديد كبناية جديدة، أو لاأعود أبدا..
فصصمت على قتل الفقيه !

أضف تعليقاً