(1)
يبدو أنني دخلت هذا المكان بالخطأ..أستر يارب…هكذا أخذ يحدث المسكين نفسه وقد جعله القلق من فاتورة الحساب لا يستمتع بوجبته التي بدت قليلة مقارنة بما طلبه باقي عملاء ذلك المطعم الفاخر…فها هو أحد الزبائن قد طلب له ولكلبه وجبتين متماثلتين وآخر طلب له ولأبنائه الخمسة والذين يتميزون جميعهم بأوزان كبيرة ست وجبات من الحجم العائلي…والمرأة التي تجلس بجواره مباشرة أنهت طعامها تاركة بقايا تعادل عشرة أضعاف وجبته ونفحت النادل بقشيشا سخيا…..وحدث ما كان يخشاه وبمجرد أن انتهى من وجبته البسيطة صدمه النادل بتلك الورقة المزرقشة الموضوعة في غلاف أنيق…هاله الرقم الموضوع فيها وقد تجاوز عشرات المرات المبلغ الموجود في جيبه…وبينما يحاول أن يشرح للنادل على استحياء ما هو عليه من حرج وأنه لم يعمل حسابه وأنه مستعد أن يعطيه تحقيق شخصيته ريثما يتصرف في ثمن وجبته التي تناولها.. وبينما كان صوته منخفضا مختنقا، علا صوت النادل وقد استهان به بكم موجع من الإهانات واللعنات…انتبه الزبون الذي كان يتناول وجبته رفقة كلبه، وقام من جلسته وانهال هو الآخر لعنا وسبابا على الزبون المسكين متهما إياه: إنه عكر صفو كلبه فعزف عن إكمال وجبته.
(2)
تحاول جاهدة أن تقنع طفلها أن يكمل وجبته…تعده أنه ستعطيه خمسين جنيها، إن هو أكل الطبق كله…يزدرد البدين الصغير الطعام بسرعة متناهية…ثم يقع فجأة على الأرض بعد أن اصطدم به ذلك الطفل النحيل الذي يحمل مقشة وينظف بها أرضية المطعم، ويبدو أن الجوع قد أنهكه، فلم تستطع قدماه أن تحملانه…تنهال الأم صفعا وتوبيخا في ذلك المسكين الذي يحاول أن يفلت منها مستعطفا ومعتذرا أنه لم يقصد ما حدث وإن الإنهاك والجوع هما السبب…يلاحظ الكثير من رواد المطعم ما حدث…ينبري بعضهم مدافعا عن الصبي متهما تلك القاسية بعدم الإنسانية…تخبرهم أن الصبي وهو يتصنع السقوط قد حاول العبث بحقيبتها قاصدا سرقتها…يصدقها الجميع ويشاركونها في صفعاتها وركلاتها.
(3)
تستعطف الجزار أن يعطيها بعضا من العظم، لتصنع منه المرقة لأطفالها الصغار…يقول لها: أن العظم لكبار الزبائن الذين يشترون كيلو أو أكثر أما هي فلم تشتر إلا ربع كيلو …تواصل إلحاحها عليه علها تستدر عطفه يواصل رفضه وتبرمه وتأففه منها….يقترب منه ذلك الرجل البدين مصطحبا كلبه المدلل…يلقي الجزار كل كمية العظم الموجودة أمامه لذلك الكلب…يخطف من المرأة المسكينة لفة اللحم الصغيرة ويلقي إليها نقودها قائلا: لا نبيع أقل من كيلو هيا انصرفي لأرى ماذا يريد البك.
(4)
تشاجرت أم محمود بائعة الخضار مع الخادمة ناعسة بعد وصلة من الفصال والتناوش بالألفاظ أوشكت أن تمتد فيها الأيادي…تجمع الناس وفصلوا بين السيدتين…وهي تغادر السوق قالت ناعسة مهددة أم محمود: انتظري ما سيجري لك أنت لا تعرفين عند من أعمل…لم تمر إلا دقائق معدودة إلا ورجال البلدية يقودهم رئيسهم بنفسه يقومون بحملة لإزالة الإشغالات من السوق وبالطبع كان فرش أم محمود أول شئ يعطل الطريق.