على بعد خطوات معدودات من المسجد .. كان يقبع بيت “عبدالحليم علام” .. خمسة عشر عاماً .. لم يرزق فيها بمولود .. قانع .. زوجته “سميه السباعي” تمتلك من أفعال إسمها الكثير , غير أنها اتخذت من أهالى القرية أخوة وأخوات لكونها مقطوعة من شجرة .
على رأس الكوبري الخشبي صبيحة كل يوم سبت تجلس النسوة .. يبتعن كل احتياجات بيوتهن , فتكثر الثرثرة تحت ظل شجرة التوت .. بائعة الكرات أسرَّت بكلمات في أُذْن “سميه” ناصحة .. صكت صدرها (يا لهووو .. دا كان عبدالحليم جوزى يقطعنى .. لا .. لا .. يا خاله “بهان”.. شوفى حاجة تانية) .
تضحك “بهان” ملء فيها .. السبت القادم .. تعدو الزوجة خلف زوجها الممتطى ظهر دابته ساحباً بقرته و ولدها .. تحكم ربط الشال على وسطها .. تحش البرسيم بهمة .. تقدمه للماشية فرحة , وسرعان ما تجاور زوجها في جمع قرون البازلاء الخضراء .. يمتلئ الجوال .. تخيط فمه بالدوبار .. يرفعوه على ظهر الدّابة .. يذهب “عبدالحليم لسوق البندر .. تعود “سميه” لأعمال الدار .. يجتمعان معا ساعة القيلولة .. مع آخر ضوء للنهار ينغلق عليهما باب الدار .
بعد العشاء باحت له بما أشارت به الخالة “بهان” لعمله !.
انخرط “عبدالحليم” في نوبة ضحك عارمة (وانا مالى يا اختى .. انتى اللى ح حتروحى تجيبى “الرجلة” , وانت اللى ح تطبخيها , وانت اللى ح تاكليها .. هه ! يمكن ربنا يسهل ؟.).
تتدثر برداءه الهفيف بإحكام , وتغط في نوبة نوم غطيس .
مع خروج “عبدالحليم” لأداء صلاة الفجر .. تخرج “سميه” تبحث في الحقول على نبات {الرجلة} .. يضحكن النسوة من فعلها , وصعارها وراء حلمها للخلفة .. يقولون (والعيال عملوا إيه لأهاليهم ؟.).
تعود “سميه” وجرابها لم يفرغ بعد من الحيّل .
{الصوبة} .. الصوبة هى الحل .. نعم هى الحل ؛ عمدت إلى الشكائر البلاستيكية الفارغة المرصوصة على سطح الدار .. اِسْتَلَّت سكيناً حاداً ؛ شقتها , ثم حاكتها في بعضها البعض , ثم غرست شماريخ خشبية على شكل سقيفة مربعة بوسادة قراريط زوجها .. غطتها بإحكام ، ثم قلبت الأرض .. لم يبق سوى البذور .
في أول سبت قرفصت “سميه” بين يدي الخالة “بهان” تسألها عن بذور”الرجلة”.. راحت بائعة الكرات في مصمة شفتاها في بلهٍ قائلة : “الرجلة” نبات شيطاني , الأرض تحتفظ ببذورها من العام إلى العام .. تستعيذ بالله .. تهب واقفة .. تمسك بها .. تعاود الإسرار لها .. تنصت “سميه” , ثم تنصرف عابسة .
جاء سبت جديد من بعد سبوتات عديدة , وإذ بطرقات غريبة تقرع وجه باب الدار .. تستقبل “سميه” في دارها الخالة “بهان”.. ترتجف من قدومها على غير العادة .. تضع في حجرها {كومة} من نبات “الرجلة” , شارحة لها طريقة محددة لاستخدامها .. تتأفف من {الوصفة} .. تنفر من الخالة “بهان”.. تتراجع عن التنفيذ .
ثلاث ليال , و”الرجلة” تملأ {الغربال} يكاد عرقه يجف , يبس عوده .. لم تستطع مفاتحة “عبدالحليم” بالأمر .
لمحها وقد زادت فترات شرودها ؛ حاصرها بركن الحظيرة وهى قائمة من تحت البقرة , وبين يديها [طاجن] اللبن سألها : ما بكِ ؟.
تلجلج لسانها , و انعقد .. تهتهت .. تفلتت حتى وضعت ما بين يداها في السحارة .. لاحقها .. أجابت مرغمة ( قال إيه الخالة “بهان” بتقول الرجلة ليست للأكل .. اتسعت حدقات عيناه , ولم يستطع أن يعقب .. هيه .. طلبت منى تقطيعها وغليها على نار هادئة , ثم فركها بالمفراك جيداً ، وتزويدها من بعد ذلك بنصف صفيحة من مياه {الطرمبة} ، ثم نغتسل بها سوياُ ثلاث ليال , ومن بعدها يأتى الفرج !!).
ضرب “عبدالحليم” كفاً بكف .. ده الدجل بعينه يا أمرأة .. أين إيمانك بالله .. هل هذا هو الإنصاف ؟.
في الصباح حمل {الغربال} بما حوى وضعه أمام الدواجن المنزلية على سطح الدار , عند هبوطه ردد كلمة {إنصاف} في نفسه .. ذاق حلاوته بحلقه .. انشرح صدره .. نَذر نذراً لله بينه وبين نفسه إن رزقه الله ببنت سيطلق عليها هذا الإسم .. تسعة أشهر كانت {إنصاف} تملآ الدار صراخاً يشنف الأذان .

أضف تعليقاً