هل أمّي مصابةٌ بالزّهايمر؟
هيَ فقط تتلكَّأُ في تذكُّرِ أسمائِنا، كما تتلكَّأُ بها مفاصلُها في الحركة، فالمرءُ عندما يشيخ، تتراجعُ كلُّ قدراتِهِ الجسديّة، و الدماغُ ليسَ بمعزلٍ عن ذلك الضّعفِ العامِّ الّذي يصيبُ البدن، لكنَّ جارتَنا أمُّ محمود- أطالَ الّلهُ عمرَها- قد تجاوزتِ الخامسةَ و التسعين و لا زالتْ تَعِي و تتذكَّرُ كلَّ شاردةٍ و واردة، مع أنّها مقعدة.
يقولُ أبي:
– ما فائدةُ طِبِّكَ و أنتَ تعجزُ عن معالجةِ أمِّك؟
ذلكَ السؤالُ الاستنكاريُّ كانَ يؤرِّقُني على الدَّوام، و رغمَ أنَّهُ سؤالٌ ساذجٌ، و كانَ أبي يطرحُه دونَ انتظارِ الإجابةِ، لأنَّهُ يعلمُ و إن كانَ أميًّا أنَّ هذا الدّاء لا شفاءَ منه، لكنَّهُ باتَ هاجسًا يلازمُني في صحوي و منامي.
كانَ الأمرُ مفاجئًا للجميع، بلْ هو بمثابةِ الفاجعةِ؛ حينَ أخبرتُهم أنَّني قرَّرتُ اعتزالَ مهنةِ الطّب.
أبي..أخوتي..زوجتي..جيراني..أقاربي..بل و حتّى مرضايَ، جميعُهم توسَّلُوا إليّ محاولينَ ثَنْيي عن هذا القرار، لكنْ دونَ جدوى.
كنتُ أفكِّرُ كثيرًا، أتألَّمُ، أخرجُ إلى الشّوارع- تاركًا فراشيَ الوثير- أبثُّها حزنيَ و تعاسَتي، لمْ أكنْ لأتحمّلَ بقائي طبيبًا عاجزًا عن مداواةِ أمِّه الّتي تفقدُ تواصلَها مع العالمِ الخارجيِّ شيئًا فشيئًا، تذبلُ ذاكرتُها كوردةِ ياسمين على جدارٍ خريفيّ.
الأمر حُسِمَ تمامًا لديَّ، لمْ يعدْ موضعَ جدالٍ أو نقاش، أعلنْتُ إغلاقَ عيادتِي، و بدأتُ أبحثُ عن عملٍ بديل، عملٍ يخلُصُني من الشعورِ بالتّقصيرِ و الخِذلانِ تجاهَ ذلكَ المرضِ الّلعين، الّذي نزلَ بلعنتِهِ في ساحةِ أغلى البشرِ على قلبي.
راحَ الكثيرونَ يقولون: إنّه مجنون…آخرونَ يقولون: هو مسّّ و الّلهُ أعلم، بيدَ أنَّ ذلكَ لمْ يُزَحْزِحْني عن قراري قيدَ أُنمُلَة.
في الصّباحِ حينَ نهضتُ متوجِّهًا إلى عملي الجديد، جاءَني صوتُ أبي محتدًّا:
هل ستفعلها فعلًا؟
وا أسفاهُ على تعليمِك و دراستِك، الّتي تجعلُكَ تفعلُ هذا، لمْ يكنْ يعلمُ أنّهُ السّببُ، لمْ يكن يدري أنَّ سؤالَهُ السّاذجَ هوَ الّذي قادني إلى هذا المصير.
ارتفعَ صوتِي لأوَّلِ مرةٍ في وجهِ أبي، إنَّهُ لا يوقنُ أنّني اليومَ أعلنتُ وفاتِي، لقدْ غادرتُ حلميَ على ضفافِ الوجع، الوجع الّذي أظهرَ لي كم هو تافهٌ هذا الحلمُ الذي يقفُ مشلولًا أمامَ مرضِ أمّي!
كنتُ أتحدّثُ إلى أبي و أنا أُشيحُ بوجهِي بعيدًا عنهُ، حتُى لا يرى دموعيَ المنسكبةَ و هي تتسرَّبُ من مسامِ وجهي لتصلَ قلبيَ، فتشعل النيرانَ فيه.
فجأةً شعرتُ بلمسةٍ تمتدُّ إلى كتفي، سَرَتْ في جسدي رعشةٌ غريبة، و تناهى إلى أذنيَّ صوتٌ خافتٌ:
– ( بِرِضَايَ عليكَ يا حبيبي ترجع لشغلك)…
التفتُّ كمن تمَّ انتشالُهُ من قعرِ بئرٍ سحيق، لم أصدِّقٰ ما رأيتُ و سمعتُ، صرختُ بلهفة:
– ماذا قلتِ يا أمَّاه؟
– ( بِرِضَايَ عليكَ يا حبيبي ترجع لشغلك)…
و أنا أحتضِنُها و أبكي بينَ ذراعيها- و كغريقٍ في عرضِ البحرِ خالٍ من أيِّ أملٍ في النَّجاة، ليأتيَ طائرُ عنقاءٍ كبير فيلتقطَهُ من بينِ الأمواجِ المتلاطمةِ و يحملَهُ إلى برِّ الأمان- طلبتُ منها أنْ تعيدَ العبارةَ مرّاتٍ و مرّات، و حينَ استيقظْتُ من سَكْرةِ فرحي سألتُها:
– و هل تعرفينَ ما أعملُ يا أمِّي؟ أجابَتْ بابتسامةٍ و دمعة:
– أنتَ طبيبٌ ماهرٌ يا ولد، هل تظنُُني مجنونة؟
في طريقِي إلى العيادةِ رحتُ أردِّدُ بصوتٍ مسموع: أنتَ طبيبٌ ماهرٌ يا ولد…
لا تنسَ…أنتَ طبيبٌ ماهرٌ يا ولد…

أضف تعليقاً