..آه، كم كانت خشيتي كبيرة من أن ينكشف عجزي، ولاأستطيع أن أكون ( ولْدْ الَحْرامْ) ولو مرة واحدة في حياتي.! لكن، والحمد لله، سارت الأمور على أكمل وجه، وحققتُ مرادي، ونجحت كأي ( ولد الحرام) شاطر..لقد تمكنت من خداعهم جميعا هم الذين ينظرون إلي كآخر فردِ حيوانٍ من سلالة على وشك الإنقراض، ويتهافتون ليطمرونني بثقتهم التي كعملة صدئة لايمكنهم تداولها بينهم وهم يعلمون حقيقة بعضهم البعض ك( أولاد الحرام مقطرينْ)،إذ طالما سمعتهم يتحدثون عن بعضهم البعض بلغة تقشعر لها الأبدان، فيقولون: فلان موس، والآخر مقص، والثالث منشار ( طالع واكل نازل واكل)، والرابع ( ولد الحرام مقطر)..فيم أنا بينهم وحيدا غريبا عاريا كأي ( ولد الحلال) حقيقي، عاجزا عن فعل أي شيء لأظافرهم التي تخرمشني كلما أمسك أحدهم بساعدي ليدفن في صدري الآمن سرا من الأسرار التي يخفونها عن بعضهم البعض، بل وصاروا لايأتمنون حتى صدورهم على كتمانها، فقد يجهر سر بمكنونه في زحمة الوجوه التي تتعاقب على سحناتهم كل لحظة كألوان الحرباء.! لذلك ضقتُ، حد الإختناق، من تلك الجملة البائخة التي تنفرز كاللعاب من ألسنتهم كلما إلتقوني: أين يمكن أن تجد ( ولد الحلال) حقيقي مثلك في هذا الزمن الحرامي، ودون أن تكف أظافرهم عن خرمشتي. وقررتُ، بتحريض أخذ شكل تقريع دائب من زوجتي، أن أصير مثلهم ( ولد الحرام)، وإن كنت أشك في قدرتي على الإرتقاء الى مستوى ( ولد الحرام مقطر)،فدائما وراء كل ( ولد الحرام) عظيم ( بنت الحرام) عظيمة.! إذ لولا زوجتي ماتجرأتُ على إستعارة جلد ( ولد الحرام) مبتدِأ. وهي التي أوحت لي باستغلال الثقة التي أحظى بها لديهم وتجعلهم يودعونني أسرارهم، وأحولها منجما أستخرج منه كنوزا، فكانت تقول لي:
– أيها الغبي، إنهم يودعون أموالهم في أبناك آمنة، كما يودعون أسرارهم الثمينة في صدر آمن هو صدركَ..أنتَ بنك أسرارهم، وكأي بنك من حقك إستثمار تلك الأسرار.!
وحين كانت تراني فاغرا فمي في دهشة غير مستوعب للأمر، كانت تشرح لي أكثر:
– أيها الحمار، إبتزهم بأسرارهم..إجعلها مشروعا في جيبك لاينضب دخله، إنهم يخشون إفشاءها كما يخشون سرقة أموالهم.!
– أنتِ ( بنت الحرام مقطرة).!
وجدتُ نفسي أقول بشكل آلي وبابتسامة باهتة، فردت علي من قاموسها المعهود قائلة:
– ولستُ كمثلِكَ يا ( حميدة)!
لم يكن إسمي حميدة طبعا، وإنما هو إسم يطلق على كل امرء غفل. وأنا كنت غفلا في نظر زوجتي ونظر أولئك ( ولاد الحرام) الذين كانوا يرونني كقطعة أثرية من زمن مضى.! لهذا كنت سكرانا بالزهو ، بعد أن وضعتهم تحت رحمة محفظة أسرارهم التي إنغلق عليها صدري طويلا، وأنا أرى بصرهم يرتد إلى عيونهم حائرا مستغربا خائفا غير مصدق كيف إنقلبتُ إلى ( ولد الحرام) فاقهم خداعا ونذالة، أنا الذي ياما رأوا فيّ ( ولد الحلال) الذي لن تجود الحياة الزانية بمثله مرة أخرى، ( ولد الحلال) الذي يمنحهم ظلا آمنا ليسترخوا ويتخففوا من الحبال التي تجعل نفوسهم مشدودة دوما كالوتر، الأمر الذي يتركهم وجها لوجه أمام حقيقتهم ك( اولاد الحرام) حقيقيين لايمكن أن يثق الواحد منهم بالآخر كما لايمكنه الإنفكاك عنه، وهذا دون أن يكون أمامهم ( ولد الحلال) الذي يجسد لهم ماتفتقده نفوسهم الخبيثة.! لقد حشرتهم في الزاوية، وأسقطتهم بضربة واحدة، واعتليتُ منصة ( اولاد الحرام) بجدارة واستحقاق.! ولكي أثبت لزوجتي اولا ولنفسي ثانيا اني ( ولد الحرام) حقيقي، دفعتُ أبي الهرم أمامي على كرسيه المتحرك، رفقة زوجتي، في إتجاه طبيب خاص، كي أجري تحليلة عسى تكشف عن عدم أبوته لي، كي أحظى بشرف ( ولد الحرام) حقيقي.! لكن التحليلة أثبتتْ أنه أبي حقا، فغضبت كما لم أغضب يوما في حياتي، وكظمت خيبة كشظايا من زجاج، وأمطرتُ أمي التي لم تعد مرحومة لحظتها باللعنات لأنها لم تكن عاهرة، ثم هممتُ بالبصق على أبي الذي لم يكن قوادا، لكني تراجعت وسحبت البصقة إلى الداخل، ثم دفعتُ كرسيه المتحرك إلى شارع مزدحم، وتركته هناك، فقالت زوجتي :
– أنت ( ولد الحرام مقطر)!
فابتسمتُ لها، وتركنا المكان مسرعين.!!.
- إنقلاب
- التعليقات