كثيرة هي الأزقة التي نجد أنفسنا نسلكها كل يوم حتى دون وعي منا.. ربما لأنها الأقرب.. ربما لأنها الأأمن.. وربما لأنها تذكرنا بأحد ما.. كنت أمر من هناك كل يوم، لاشيء يلفت انتباهي بالمكان.. سيارة إسعاف مركونة على اليسار بجانب محطة البنزين.. محل للوجبات السريعة على اليسار أيضا.. محل للكراسي المتحركة المستعملة على اليمين.. وعلى اليمن كذلك مسن بجلبابه الرمادي يفترش الأرض ويمد يده للعابرين… هذا ما يؤثث الزقاق كل يوم.. لا شيء يتغير.. وحدها تلك الفتاة من كانت تضفي لمحة جمال للزقاق.. كانت المرة الخامسة التي أصادفها هناك تجالس المسن، تمسك يده برفق ويتبادلان الحديث بابتسامة تعلو وجهيهما.. هو المشهد نفسه من كل خميس، الواحدة زوالا..
تناسجت الأسئلة الفضولية بداخلي… ماذا تقرب الفتاة للمسن “المتسول”؟.. لماذا أصادفها كل خميس برفقته..؟ عن ماذا يتحدثان..؟ ابنته..؟ لا أعتقد.. ما ترتديه يوحي أنها تنتمي لطبقة ما فوق المتوسطة، ثم ذاك العطر الذي يجبرني على أن أبطئ الخطى كلما عبرت بجانبها يؤكد أنها تنتمي لطبقة المحظوظين بهذا الوطن..
قبل سنوات كنت أتردد عشرات المرات قبل أن أفكر في اقتحام أنثى، كان التعبير عن إعجابي أو إحساسي أمرا متعبا، يحتاج مني الكثير من التفكير والتخطيط.. وفي النهاية كان يهزمني الخجل فتتيه مني كل الكلمات لأجدني أقول ما لا معنى له.. اليوم اختلف الأمر، ما عاد اقتحام أنثى يتعبني، صار الأمر أسهل، ما عاد يحتاج لترتيب ولا تنميق.. يكفي أن تثير إحداهن فضولي لأجدني أقف أمامها مجردا من كل الخجل.. وها أنا الآن أقف على بعد مسافة الأمان ممن تبتسم للمسن كل خميس..
– سأخبرك شيئا.. في أحايين كثيرة أحاول أن أحافظ على لباقتي إلا أن فضولي يهزمني من حين لآخر.. هزمني اليوم.. أصادفك هنا كل خميس، أمر بجانبك كما يمر كثيرون لكنك لا تنتبهين.. كيف لك أن تنتبهي والمسن ذاك يشغلك عن العالم.. من هو..؟ من أنت..؟ لماذا الخميس..؟
كانت تنظر إلي فقط، لم تحاول مقاطعتي، كان بإمكانها أن تتركني وتغادر فذاك حقها لكنها لم تفعل.. تركتني لأكمل حديثي للأخير..
– غريب.. ما كنت لأعتقد أن هناك من انتبه لي.. ما كنت لأعتقد أن هناك من ستثير فضوله حركتي البسيطة تلك.. لا أدري إن كان من واجبي أن أسعد لأنك انتبهت لتواجدي رفقة العم عبد الله أم أنه من واجبي أن أحس بالحرج..
– حرج..؟
– تأخرتُ قليلا.. لدي درس بعد نصف ساعة.. يجب أن أغادر الآن..
– سأنتظر الخميس القادم.. هل لي باسمك..؟
– إيمان.. وداعا..
ما كان لي أن أنتظر لأسبوع كامل، ما كان لي تحمل عبء الأسئلة بداخلي لذلك خطوت نحو العم عبد الله لعلي أجد عنده الأجوبة التي يحتاجها فضولي..
لم يكن لي أن أسأله بطريقة مباشرة عن من تكون إيمان وعلى عن من يكون هو. كان لا بد من مدخل مناسب، مدخل لا يخل بواجب الاحترام تجاه وقار العم عبد الله، مدخل لا يحس أحدنا بالحرج عبره.
بداية وضعت في يده الممدودة بعض الدراهم التي لم تتجاوز الخمسة، همس لي بدعوات اعتاد أن يسردها على مسامع كل من يمد له شيئا.. لم أكتف بذلك.. انحنيت على يده، قبلتها..
– الله يرضي عليك أولدي..
حينها تشجعت وأخذت مقعدا على يساره، نفس المقعد الذي اعتادت إسراء أن تجلس فيه كل خميس، ليس كرسيا، هو سياج إسمنتي يحيط بشجرة برتقال صغيرة تتواجد بالمكان.. أحيانا يتخذها العم عبد الله سندا لظهره، ربما عندما يتعبه مد يده للفراغ..
ملامح وجهه بدت أكثر حزنا مما توقعت، بدت أيضا أكثر تعبا من أن أتجرأ على أن أتعبه أكثر بأسئلتي الغبية.. جالسته لدقائق، سألته عن أحواله، عن صحته.. اكتفى بحمد الله.. حدثته عن نفسي قليلا.. حدثته عن حكاية اسمي.. جعلته يبتسم لثواني.. قبلت رأسه وغادرت.. لا بأس سأنتظر لأسبوع، فذلك أهون من أن أحتقر نفسي لحظة أعي نفسي وأدرك أني تصرفت ببلادة..
لم أنتظر الخميس، كان القدر أرحم بي لحظة ألقى بها في طريقي في السبت الموالي وسط حديقة أمريكا اللاتنية التي لا أحب.. هكذا وجدتني أعبر الحديقة في طريقي للقاء أصدقاء من الماضي، إلا أن الحاضر كان أهم.. استوقفني الحاضر وسط الحديقة على بعد مليمترات من حوض الماء ذاك.. في الوسط توجد إيمان، على يمينها أنثى تقصرها طولا، وعلى يسارها أنثى تضاعفها وزنا.. لم أتردد..
– إيمااان..
– هذا أنت..
صديقتاها تنظران إليها ثم إلي.. ابتسمت لهما..
– هل لي أن آخذ منكما إيمان لدقائق خمس..؟
لم يقلا شيئا، اكتفتا بابتسامة موافقة، أو ربما بابتسامة تعني أن الأمر ليس من شأنهما.. خطت إيمان نحوي بعدما استأذنتهما في دقيقتين وطلبتهما بانتظارها في نفس المكان.. سرنا لثواني بحثا عن مقعد شاغر.. لم نجد مقعدا فافترشنا العشب وأخذنا من جدع شجرة متكأ..
– آسف لأني أخذتك من صديقتيك..
– لا يهمك.. لن تنزعجا..
– من هي إيمان إذن..؟
تحدثت عن نفسها باختصار، قالت أنها طالبة بمعهد الخوارزمي للتكنولوجيا الذي بعد مسافة دقيقتين عن الحي حيث تقطن رفقة والدتها الأستاذة الجامعية.. قالت أيضا أن والدها توفي قبل سنتين جراء حادثة سير..
لم يكن كل ما قالته مهما بالنسبة لي، كان يشغلني أكثر الرابط بينها وبين العم عبد الله..
– من هو العم عبد الله.. لماذا أصادفك رفقته كل خميس..؟
– يشغلك الأمر حقا.. حسنا سأخبرك وإن كان الأمر لا يستحق أن يشغلك.. كل ما في الأمر أني أعبر ذاك الزقاق كل يوم، لم أنتبه في يوم للعم عبد الله إلى أن أمطرت يوما.. كان المطر غزيرا والبرد شديد لدرجة يصعب تحملها، وكنت أعبر مسرعة نحو المنزل حاملة مظلتي غير واعية بما حولي إلا أن منظر ذاك المسن المنكمش على نفسه، والذي يحاول أن يحمي نفسه من المطر والبرد عبر التصاقه بالجدار، جعلني أقف للحظة مع نفسي.. نظرت إليه مطولا، لا أدري لما تذكرت لحظتها والدي.. انهمرت دموعي.. وجدتني أمشي نحوه وكأن قوة غريبة تدفعني إليه.. أمسكت يده ووضعت مظلتي فوق رأسه وخطونا معا.. أخذته رفقتي للمنزل.. كنت خائفة جدا من أن ترفض أمي استقباله لكنها بمجرد ما رأته حتى أشفقت لحاله.. أدخلناه المنزل، منحته أمي إحدى جلابيب أبي ليرتديها.. أخذ حماما ومنحناه ما يأكله، ثم حدثنا عن نفسه، قال انه يعيش وحيدا في غرفة يكتريها بحي هامشي بعدما توفيت زوجته وأصبح غير قادر على العمل… بقي رفقتنا طوال الزوال إلى أن تحسن الجو ثم أعدته لمكانه… منذ ذلك اليوم صرت أزوره كل خميس، أحضره للمنزل ليستحم ويغير ملابسه ويأكل ثم أعيده لمكانه في طريقي للمعهد عند الواحدة زولا..
– أحبك..
– تأخرت على صديقتاي..
– أحبك..
– سنلتقي مرة أخرى..
– غدا إيمان
– بهذه السرعة.. ثم أنه الأحد
– يناسبني الأحد..
– لا أعرف حتى اسمك..
– إسلام.. غدا؟
– حسنا.. انتظرني هنا.. عند نفس الشجرة.. نفس التوقيت..
ننتظر لسنوات من أجل أن نقابل ذاك الإنسان.. أقصد الإنسان الحامل لمعناه حقيقة.. ذاك المثقل بإنسانيته، ذاك الذي ترجه المآسي.. ذاك الذي لا يمنح فرصة لعقله ولا لكبريائه ولا لعاداته لحظة يتعلق الأمر بإنسانيته.. إيمان ذاك الإنسان الذي انتظرته لسنوات، إيمان المثقلة بإنسانيتها.. حديثها عن العم عبد الله والنبرة التي تحدثت بها حركت شيئا بداخلي فانعكس على لساني مرتين.. “أحبك”.. لم أحب عطرها، ولا أحببت ثباتها، ولا أحببت شعرها الأشقر، ولا أنا أحببت قدها الجذاب الملفت.. أحببت إنسانيتها.. أنثى مثلها لا يمكن أن تخون ولا أن تخدع ولا أن تكذب ولا أن تتلاعب بمشاعر إنسان..
حضر الأحد وصارت إيمان لي..
– جذبني انتباهك لي..
– وجذبتني إنسانيتك..
– هل يكفي ذلك لنبقى معا للأبد..
– وإن لم يكف.. ستظلين “الإنسان” بداخلي وللأبد..
– هل كنت الأنثى التي تحلم بها..؟
– الحقيقة أني كنت أحلم بأنثى أحيا رفقتها كما يحيا مريد البرغوثي ورضوى عاشور، أو كما يحيا غسان كنفاني وغادة السمان…
– من هؤلاء؟
– مجانين يحيون بكتابة رسائل الحب..
تضحك ببراءة..
كانت طاهرة، صادقة بطريقة غريبة.. تطلعني على كل تفاصيل حياتها حتى تلك المملة منها.. بقينا معا لسنة ونصف.. علمتني خلالها أن أكون إنسانا وعلمتها أن تخطئ..
حصلت على دبلومها من معهد الخوارزمي وغادرت نحو فرنسا من اجل إكمال دراستها هناك، وعدتها أن أكمل مسيرتها في الاهتمام بالعم عبدالله.. صرت أزوره كل خميس، أقدم له ما يأكله وأتحدث معه قليلا فما كنت لأكون احن من إيمان التي وعدتني أن تعود كلما سنحت لها الفرصة.. لم تعد قط.. كما لم يعد العم عبد الله لمكانه في الخميس الموالي.. لم يعد قط..
– توفي العم عبد الله يا إيمان..
لم ترد إيمان على رسالتي تلك ولا على الرسائل التي تلتها.. تأخرت رسائلها لشهرين.. ويا ليتها تأخرت أكثر..
– اللهم ارحمه.. آسفة إسلام لم يعد بإمكاني أن أعود للمغرب.. سأصير زوجة لفرنسي.. آسفة.. ليس الأمر بيدي..
ولا بيدي أن أنساك يا إيمان…
- إيمان والعم عبد الله
- التعليقات