في القطار.. أمسك برواية “عزازيل”.. على يساري أنثى بزي باريسي تحمل رواية “الأسود يليق بك”.. لا ترتدي الأسود على أي حال.. أتذكر صديقي وهو يقول: ” وحدهم الأغبياء يرتدون الأسود صيفا”..
فكرت في أن أغازل الوقت وأقتل ملل السفر بعدما منعني اهتزاز وجعجعة القطار من أن أركز في القراءة، فكرت في أن أفتح نقاشا رفقة التي على يساري لكني لم أجدا مفتاحا مناسبا يكسر الصمت المسيطر على جنبات المقطورة حيث نحن.. فكرت في أن أكون إنجليزيا وأبدأ الحدث عن أحوال الطقس إلا أني كنت سأبدو سخيفا فالحرارة تتجاوز الأربعين.. الإنجليز يجيدون الحديث عن الطقس لأنهم يتوقون لأشعة الشمس.. ثم فكرت في أن أسألها بطريقة مباشرة عن وجهتها كما يفعل الإسبان غير أني تراجعت كوني خفت أن تكون شرقية الخلفية على عكس زيها فتجيبني بطريقة فظة تجعل سفري معكرا..
استغرقت في التفكير عن حل ثالث، وفي لحظة تيهي بداخلي، في لحظة ضياع بين أفكاري المحدودة.. وجدت هي الحل.. ربما لم تفكر حتى في الحل.. بدت لكنتها غريبة عني.. لم أقابل أحدا من قبل يتحدث بهذه اللكنة..
– هل لي بإلقاء نظرة على روايتك تلك..
أومأت بسبابتها لعزازيل التي أمسكها بين يدي.. كيف لي ألا أنتبه لمدخل كهذا.. أي سهو أصابني.. مددت لها الرواية دون أن أنبس بشيء، اكتفيت بابتسامة وهز رأسي مرحبا..
– هل تريد أن تلقي نظرة على روايتي؟
قالت ذلك وهي تشير لرواية الأسود يليق بك.. كنت قد قرأت الرواية لمرتين أو ثلاثة، فوجدتها فرصة لأتبجح عليها ببعض من العشق الذي أكنه لكاتبتها أحلام مستغانمي.. لم أفكر كثيرا فوجدتني أسرد:
– “الحب هو اثنان يضحكان للأشياء نفسها، يحزنان في اللحظة نفسها،.يشتعلان و ينطفئان معاً بعود كبريت واحد، دون تنسيق أو اتفاق… الحب هو ذكاء المسافة. ألّا تقترب كثيراً فتُلغي اللهفة، ولا تبتعد طويلا فتُنسى. ألا تضع حطبك دفعةً واحدة في موقد من تحب. أن تبقيه مشتعلًا بتحريكك الحطب ليس أكثر، دون أن يلمح الآخر يدك المحركة لمشاعره…”
ظلت تنظر إلي لثواني وكأنها لم تفهم لكنها فهمت باستغراب..
– هل تحفظ الرواية؟
– ليس لتلك الدرجة.. لكني قرأتها بقدر جعلني أحفظ مقاطعا منها..
– غريب.. هل أن تحدثني عما فهمته منها..؟
– حينها سأفقدك شهية إتمام قراءتها.. تعلمي ألا تسألي أحد عن رأيه في كتاب، لكلٍ رؤيته الخاصة، لكلٍ زاوية نظرة الخاصة، لكلٍ منهجه في القراءة.. لسنا جميعا نحب أحلام، ولسنا جميعا نحب عمرو المنوفي..
– أنا ابتسام..
– أنا كريم..
لا أدري لماذا كذبت.. ربما لأجرب إحساس أن يناديني أحدهم باسم مختلف، ربما لأني أردت أن تكون اللحظة عابرة بالمطلق وألا أترك أدنى احتمال للقاء ثاني.. ربما لأنها ذكرتني بابتسام زوجة صديقي كريم.. تلك الخطيئة التي سبقت عقد القران.. لا أدري.. فلأكون كريم مسافة سفر.. لن يحدث شيء..
– كريم.. كاسم شقيقي..
– سعيد بذلك إذن.. جميل أن أذكرك بشقيقك.. ما وجهتك إذن؟
– مراكش ليومين، ثم أكادير لعشرة أيام.. ثم أعود لمدينتي وجدة.. ماذا عنك؟
– أيام غبر محددة بمراكش..
تحدثنا كثيرا متجنبا الأسئلة الشخصية فلم أعتد أن أبوح بنفسي عن نفسي لأول من ألتقيه في القطار.. عادة سيئة هي تلك وإن كانت تغنينا عن الأطباء النفسيين.. تحثنا عن الدين وعن الأدب، وتحدثنا أيضا عن الكرة وكأس العالم… اكتفيت باسمها واكتفت باسمي الكاذب..
مر الساعات مسرعة قبل أن يتوقف القطار أخيرا في محطة مراكش.. أخبرتني أن زوج عمتها ينتظرها عند باب المحطة لذلك كنت مجبرا على توديعها عند رصيف المحطة..
– ما رأيك في أن نشاهد مباراة روسيا وكرواتيا معا؟
– سيكون ذلك ممتعا.. امنحني رقم هاتفك إذن..
– ليس بالضرورة يا ابتسام.. دعينا نعود قليلا للخلف.. دعينا نبدو من القرن الماضي.. لنتفق على موعد ومكان دون أن نخلفه..
قلت ذلك دون أن أقصده ولا أن أعيه.. كنت فقط مصرا على أن تربطني بها صلة.. كنت مصرا على أن أكون عابرا.. وألا أترك خلفي أثرا أتبعه للعودة إليها لحظة انهزام..
– أوووه أعجبتني الفكرة..
– إذن ابحثي عن مقهى ” الحديقة الحمراء” عند موعد المباراة..
لو أن نساء وطني عرفن، كما ابتسام، أن كرة القدم هي أقرب الطرق لقلب الرجل، لما تطلق أحد.. ولما انفصل أحد.. هذا ما كنت أفكر فيه والحكم يعلن انطلاق مباراة روسيا وكرواتيا.. ثواني ووجدتها تلامس كتفي من خلف..
– كدت أن تتأخري..
– عن المباراة أم عنك؟
كان سؤالها بالجرأة الكافية لتجعلني أكتفي بتتبع ملخص المباراة باليوم الموالي..
في الحياة دائما ما هناك أولويات..
وكأنها أكتافيا..