وسط صندوق خشبي مشدود بحبل قابل للتمدد، وعلى متن دراجة هوائية مهترئة، كانت الحيلة الوحيدة لإيصاله إلى المستشفى بعدما نثرت إحدى الأبواب الخشبية ما استوفى من إصبعه الأوسط، ليعود بنفس حجم الأصابع الأخرى، لأن انفلاته زيغ ومراوغة لبقية الأصابع، فذلك عدل وقدر مفتعل نتيجة البراءة والصبيانية التي لم تتلطخ بحكم تداخل الأحداث والمستجدات التي سترد عبر زمن سيغير الحياة رأسا على عقب…
الدراجة يسوقها لحسن أو تزارين، الجار الأقرب لبيت الصبي الذي تداركه الألم بعد البثر، أودعته الأم إياه على أمل حصر الدماء الذي تنفلت بين أصابعه التي تخشى ملاحقة نفس الجراح، والصدمة تلوم الأبواب والأزقة والسواقي، وحسرة الأم تنتاب الجدران، أما الأب فهو الغائب، بحثا عنه في فيافي ذاته، يراقص وضعه الذي يختلج الكثير من الأحلام، وهو على أهبة السوء، دون أن يدري أن قريته ستعج بالماء، على غرار باقي القرى المجاورة، وأن أخبارا تروج على أن هناك مسح جغرافي سيفضي بحياة النخيل، بحياة الجنان، وفجأة الأموات بقدوم سيول جارفة، أنستها عذاب القبر، وورطتها في لغز السؤال عما وقع وسيقع لأموات لم يتعلمو قيد حياتهم فن العوم، فليس لديهم في النهاية سوى تسليم أجسادهم للحيتان، لتكون لها ملاذا للمبيض، وحينها يولد البيض مرتين، ولادة سمكية، ثم ولادة في أقفاص صدور ظلت سجون أفكار تائهة محتشمة ساذجة، مخلفة سلفا لا حيلة له في حياة جديدة تجعل من ربيع العمر خريفا يبسط جناحيه للهلاك، بعد إطعامها بملعقة وهمية الحلة، وتركها تتلذذ هنيهة مؤقتة من الزمن، ثم تعود أدراج البؤس بعد ضياع الواحة النخيلية وغمرها بأمواج طوفانية وكأنها هيروشيما المتكررة بفعل الغرق المفضي إلى الموت بنية الإحداث والعمد، لا فصول قانونية ولا بنود فعلية أيدت الأمر قبل وقوعه، لكنه نتيجة الإقصاء، بنية إغراق الموتى من جديد، بموت يعاود انفلاته بين خيوط اللا فهم…
بقيت الأرواح المتروكة تتركل كأسماك خرجت لتوها سهوا من مستنقعاتها المعهودة، بعد الإعلان بأن هنالك حالة قصوى تستدعي ترحيل الجميع، وما على الأسلاف إلا الاستسلام كون حقائبها لصيقة بالتراب، مما سيجعلها تصير مشبعة بالماء، حيث تعج الموت بالحياة، وتعج الحياة بموت ليس له إلا أن يترقب بأنفاس مغمورة منقطعة الاحساس، لكنها صارت مأوى حركية لمخلوقات ألفت العوم، ومنه تربت فلن يصيبها مكروه كالذي سيصيب الأحياء الذين رحلوا كل بوجهة غير معلومة، لزمه الخضوع لأنظمة وطقوس الأهالي التي ستتحكم بالأمور، ولن تسلم الوافدين حقوق الأرض مهما بلغ أمد الاستئناس بحكايات الغربة المختلقة…
ترك الجار دراجته الهوائية متآكلة بعدما استلم نقودا قليلة، لن تفي أغراضه التي كان يتخيلها طمعا قبل الترحيل، أما الفتى الجريح فظل يصارع الأفكار، دون فهم لهذا المستجد الغريب في حياة أمه التي تحاول التأقلم مع الأوضاع…
- ابن الأرض المقصية
- التعليقات