كنت أسير خلف أمي بخطوات أحاول أن أجعلها تبدو ثابتة قوية، أتوهم أنني حارسها الأمين، وأنني أملك من القوة ما يجعلني قادرا على حمايتها من أهل الشر، كانت أمي رغم ملابسها المتواضعة، ذات اللون الأسود الذي لا يتبدل أبدا، ونقابها الذي لا يظهر غير عينيها الزرقاوتين، تبدو شديدة الفتنة والإغراء، هكذا وشت كل العيون الوقحة التي كانت ترقبها في كل خطوة من خطواتها، تكاد تخترق ثيابها، راغبة في الكشف عن أسرار ذلك الجسد المثير رغم كده وشقائه، كنت رغم صغر سني، حيث لم أكن قد أتممت العاشرة من عمري، أدرك مغزى تلك الرغبات القذرة الكامنة خلف تلك الأعين المتلصصة، أتمنى لو استطيع أن أفقأ كل واحدة منها نظرت لأمي نظرة غير شريفة، اكتفي بإغلاق عيني متخيلا أنني امتلكت سلاحا لخزقها بعد أن أعجزني واقعي عن أن أفعل ذلك، وها أنا ذا في خيالي، أخرق عيني معروف الفرارجي وعيني عرفان الخضري وعيون آخرين وآخرين، وأسمع في خيالي صرخاتهم، وأراهم يفرون من أمامي كجرذان حقيرة مذعورة وأنا أضحك مسرورا من هزيمتهم وجبنهم، ثم يجبرني اصطدامي بمار أمامي أن أفتح عيني على الواقع، فأجده كما هو لم يتغير، وما تزال النظرات الوقحة تلاحق أمي، في كل خطوة تخطوها وفي كل مكان تذهب إليه في هذا السوق الكبير.
لم تكن أمي تذهب إلى السوق كنوع من الترف، أو حبا في التسوق مثل الكثيرات من النسوة، بل إن قدميها ما عرفت طريقها إليه إلا بعد موت أبي، كانت أمي تذهب إلى السوق لتبيع وتشتري، وتأتي لنا بما يسد رمقنا أنا وهي.
بعد موت أبي تخلى عنا الجميع، أعمامي وأخوالي، تلاشت كل وعود أيام الميتم بالدعم والمساندة، بعد أيام قليلة من أربعين أبي.
وجدت أمي بيتنا خال من رغيف خبز واحد أو حتى بيضة، فأجبرها جوعنا أن تنزل إلى هذا المعترك الصعب، مدعومة فقط بإرادتها ورغبتها أن نظل على قيد الحياة، أنا وهي، نعم أنا قبلها، فأنا على يقين أنني لو لم أكن موجودا لما عانت أمي كل هذه المعاناة.
في البداية كانت أمي تذهب إلى السوق، لتبيع خيرات بيوت جاراتها من طير وبيض وخبز وسمن وجبن لقاء عمولة بسيطة تقيم بها أودنا، كانت أمي تحمل كل ذلك في أقفاص فوق رأسها، ورغم ثقل الحمل، إلا أنها كانت تسير به ثابتة الخطا مايزيد عن أربعة كيلو مترات، هي المسافة بين بيتنا وسوق المدينة الكبير، لا تعطي لنفسها أي وقت للراحة لتلحق بالسوق قبل انفضاضه، لا تلتفت لتلك النظرات القبيحة التي تلاحقها رغم العرق الذي يسيل من كل مسام جسدها المنهك، وقدماها اللذان تقرحا من فرط ما عانياه من سير وحمولة تئن لها الجبال الرواسخ.
لم تكتف أمي بكونها بائعة بالعمولة لجاراتها، بل أصبح لها هي الأخرى خير تبيعه وتشتريه، صار عندنا في دارنا الصغير طيور وغنم وماعز، ما زلت أذكر فرحة أمي الكبيرة يوم أن صار عندنا جاموسة استأثرت بمساحة لا بأس بها من بيتنا، استأجرت أمي ستة قراريط من الحاج راغب من أجل طعام جاموستنا، كانت أمي تزرع الأرض بنفسها، رفضت أن أساعدها، علي فقط أن أهتم بكتبي ومدرستي، هكذا كانت دائما تقول لي كلما حاولت أن أشاركها الحمل.
كانت أولى جولاتنا في سوق الطيور، لحق بنا اللعين معروف الفرارجي يحاول أن يأخذ من أمي الطيور والبيض بثمن بخس كعادته، لم يكن يغضبني جشعه وطمعه، بقدر ما كانت تقتلني نظراته لأمي، إنه أيضا يحاول أن يتلمس أجزاء من جسدها بطريقة يحاول أن يجعلها تبدو عارضة غير مقصودة، أنا على يقين أن أمي تفهم نظراته وتحرشاته، ما يثير جنوني أنها تبقى على هدوئها ولا تحاول نهره أو توبيخه، أغمض عيني من جديد، اتوهم أن في يدي سكينا أغرسه بكل قوتي في صدر معروف، استفيق على صوت أمي وهي توافق على السعر الذي عرضه الملعون عليها، تأخذه منه وتحمل أقفاصها الفارغة فوق رأسها، نكمل باقي جولاتنا في السوق، نبيع بضاعتنا كلها، نشتري ما تحتاجه دارنا ونعود.
اليوم التالي للسوق في بلدتنا، هو يوم الجمعة، نلعب أنا وأقراني من الصبية في حقول القرية وساحاتها من الصباح حتى غروب الشمس، نصطاد الطيور بالفخاخ والأسماك بالسنانير، ونستحم في الترعة، ثم يجعلنا الإرهاق نجلس فنتسامر، نحكي عن أي شيء وفي كل شيء. في قريتنا وأعتقد في كل القرى ينضج وعينا مبكرا جدا وخاصة وعينا الجنسي، تثيرنا حكايات الجنس، نراه في كل مكان حولنا، تلقيح الأبقار والجاموس والخيل والحمير، وحتى في حكايات النساء وهن يغسلن ثيابهن على الترع ويحكين غير آبهات بنا أو لعلهن يظنن أننا لا نفقه فيما يخضن فيه من حكايات الجنس وغيره، نعرف أشياء كثيرة ربما ما كان لنا أن نعرفها في ربيع أعمارنا، فننشغل بتلك المناظر وتأخذنا هذه الحكايات، فنخوض فيها بل ربما نحاول أن نقلدها بطيش وتهور، في ذلك اليوم أخذنا نحكي حكايات عادية مكررة، حتى غادرنا عادل ابن إحسان، هكذا كان اسمه بيننا، أنا ايضا كان اسمي سليم ابن باتعة، مات أبوانا فصار لقبنا أنا وعادل مقرونا بأمينا، كم كنت أكره هذا اللقب وأبغضه، ولكنه فرض علي وعلى عادل فرضا، أظنه صار عرفا ابتلي به كل يتيم فقد آباه مثلنا، في كل المجتمعات الجاهلة، المهم أنه بعد أن غادرنا عادل لاحظت بعض النظرات الساخرة من أحد رفقائنا واسمه خليفة، ثم سمعته يقول:
…أحسن أن غادرنا ابن العاهرة…يدعي أنه رجل وأمه تبيع جسدها لمن يدفع لها جنيها واحدا
ويكمل خالد كلامه:
…سيسافر الليلة عند عمه في مصر وستفتحها أمه على البحري…سأحاول أن أوفر جنيها بأية وسيلة لأذهب إليها مرة أخرى.
أوشكت كلماتهم أن تقتلني، أحسست أنهما يتحدثان عن أمي، من أدراني بعد أن أذهب أنا الآخر أنهما لن يتحدثان عن أمي بنفس الطريقة؟
فكرت أن أتشاجر معهما دفاعا عن أم عادل، أنا سأدافع عن أمي أيضا،لكنني تركتهما عائدا لبيتي تكاد دموع قهري أن تقتلني، وصلت إلى بيتي، حاولت النوم، إلا أن الأفكار السيئة لم تجعله يعرف إلي سبيلا، انتظرت مستيقظا حتى انتهت أمي من صلاة الفجر وغادرت إلى حقل البرسيم لإحضار وجبة الجاموسة الصباحية، كنت أعرف مكان احتفاظها بالنقود، سرقت جنيها كاملا، وانتظرت حتى أشرقت الشمس، لم أذهب إلى المدرسة ذلك اليوم، بل بحثت عن خالد وخليفة، وأخبرتهما أنني أريد أن أذهب إلى أم عادل، أخرجت لهم الجنيه ليتأكدا من جديتي في الحديث، طلبا مني الانتظار لما بعد آذان الظهر ليتأكدا أن عادل قد سافر إلى عمه، انتظرت على أحر من الجمر، حتى جاء الموعد المنتظر، ذهبت معهما، طرقنا الباب، فتحت لنا أم عادل، أسر لها خليفة ببضع كلمات، نظرت إلي نظرات ساخرة، ثم أخذت مني الجنيه، وقالت:
…تعالى يا شاطر
وسحبتني من يدي ودخلت بي غرفة نومها، خلعت ثيابها واستلقت على سريرها النحاسي، نظرت في وجهها، رأيت وجه أمي، صرخت باكيا وفررت من بيتها مهرولا.
عدت لبيتنا لاهثا متقطع الأنفاس وما زلت أبكي، ذعرت أمي التي كانت قد عادت من الحقل لمرأي على تلك الحالة شديدة البؤس، عبثا حاولت أن تعرف ما حاق بي، احتضنتني بين ذراعيها وهي ترقيني وتقرأ القرآن والأوراد علي، دفعتها عني بعنف وكراهية، وغطيت وجهي رغم الحرارة بالبطانية ولم أتوقف عن البكاء.
في الأيام التالية ورغم الحزن والتوتر والقلق الذين يملأون كل ملامحي كنت محلا لسخرية وتنمر رفقاء دربي بالقرية وخاصة خالد وخليفة شاهدا واقعتي مع أم عادل، لم يشغلني ذلك بقدر ما شغلني سؤال واحد:
…هل سقطت أمي في الوحل مثلما سقطت أم عادل؟
ومن هنا قررت مراقبة أمي، سأقتلها إن كانت خاطئة، ادخرت من مصروفي، واشتريت سكينا حادا، غافلتها لحظات واشتريته يوم السوق، خبأته في ملابسي، وكنت كل يوم أدعي الخروج للعب ثم أختبيء أرقب باب دارنا من مكان لا يراني فيه أحد من الصباح وحتى الغروب، وفي يوم وقد اقترب الغروب رأيت الحاج راغب، ذلك الرجل الذي نستأجر منه الأرض يقف أم بيتنا، يتلفت يمينا و شمالا، هو طلبتي إذا، هو سارق شرفي وعرضي، أدركت الآن لماذا تهاون مع أمي في إيجار الأرض وأعطاها لنا أرخص من غيره سأقتلك يا لعين، وسأقتل أمي، ليس عليك إلا أن تدخل الآن لأقتلكما معا بجرمكما المشهود، لكنه لم يدخل، دس شيئا لم أره من تحت عقب الباب، ثم تلفت يمينا ويسارا مرة أخرى وانصرف، هل يكون اللعين قد أحس بي؟ بالتأكيد إنه أحس بي، بالتأكيد أمي تنتظره بالداخل وقد تخلت عن ثيابها مستعدة للقائه، سأقتلها، الدليل موجود في ذلك الشيء الذي دسه تحت عقب الباب، فتحت الباب بلا ضجيج، التقطت الظرف الذي تركه الرجل، لم أفتحه، سأفتحه في مواجهة أمي، اتسلل في هدوء لغرفتها أفتح الباب مسرعا وسكيني في يد وفي يدي الأخرى الظرف الأبيض، أجد أمي على سجادة الصلاة تصلي وتبكي وتدعو لي، يسقط السكين من يدي، ما زلت ممسكا بالظرف، افتحه، أجد فيه عشرة جنيهات، احتضن أمي وأبكي، أخبرها أنني رأيت الحاج راغب يلقي بها من أسفل عقب الباب، تتنهد أمي بعمق، وأسمعها تقول:
…أخيرا عرفت الرجل الطيب الذي يساعدنا كل شهر منذ وفاة أبيك وحتى اليوم، بارك الله له في رزقه وأولاده.
- ابن باتعة
- التعليقات
