تأخذ الكتابة الأدبية المعاصرة اتجاهات تعبيرية اجتماعية دلالية تتحد مع رؤية النص والشاعر فى استلهام الواقع فى بنيته وتركيبته ومراحل التطور والانتقال من ظاهرة إلى أخرى ومن اتجاه موضوعى وسلوك إنسانى إلى محاولة ارتياد نمط تعبيرى جديد.
ومن خلال الانفعال والمشاركة الوجدانية تتضح السمات التعبيرية والتيارات السائدة فى الحياة الاجتماعية والتى تتشكل من قيم التعبير ومظاهر الواقع وتداعي الظواهر العامة، وتبدو فى دلالات الرصد وتحولات الحياة الاجتماعية والإنسانية، وتكون أكثر حضورا فى التجربة الأدبية بما تتضمنه من أفكار فنية وموضوعية .
وترمز هذه الأفكار فى مضمونها إلى دلالات الوعى والتطور الفكرى والاجتماعى الإنسانى المتعلق بالواقع وقضاياه، ومن ثم تعيين حقيقة العلاقة التى تربط الكاتب والشاعر بهذا الواقع الفكرى وأنماط التطور المصاحبة له، والتى تبدو فى عمليات الوعى الأدبى وفى السلوك التعبيرى الإبداعى وفى التجربة الأدبية التى ينفعل بها الشاعر والكاتب، ويترجم صورها ومظاهرها أدبا وفكرا دلاليا بواسطة الإبداع إلى مجموعة من القيم التى تشير إلى القدرة فى التوظيف والاستلهام، وإقامة عمليات البناء المركبة من الفكر والواقع الاجتماعى وشخصية المبدع، ومدى انفعاله واستيعابه للقضايا العامة والأفكار الموضوعية .
ومن الضرورى أن نسلم بواقعية النص وقدرته فى تمثيل الحياة فى جانب من جوانبها العديدة وأن ارتباطه وجدانيا وسلوكيا بحياة صاحبه وطبيعته من صميم التجربة وعلاقة تبادلية تجمع بين الشعور ودوافع الكتابة التى يتشكل منها النص ومكونات الفكرة التعبيرية، وأن نسلم بأن انفصال النص عن الواقع الذى يمثله الكاتب والشاعر والأديب عامة هو انفصال عن الحياة الاجتماعية وهذا أمر لايتحقق فى الغالب الأعم .
وحقيقة أخرى تتعلق بهذه العملية الارتباطية بين النص والواقع الاجتماعى، وهى أن النص فى ذاته بنية اجتماعية موثقة فنيا وموضوعيا، وأن الشاعر أوالكاتب سيرة اجتماعية وفكرية خاصة تساهم فى تشكيل الوعى الاجتماعى بشتى أنواعه ومظاهره، بصفته شخصية فكرية تستطيع أن تفكر وتضع رؤية فلسفية لتطور الواقع، من خلال القراءة الواقعية للمجتمع الذى ينتمى له، وهى رؤية لاتقف غالبا عند حدود الواقع القريب وإنما تمتد لتستوعب الحياة فى عمومها .
وعلى هذا الأساس تتبلور القضايا والأنماط فى النص من واقع هذه البنية الفكرية والتى تمثل فى ذاتها نظرية اجتماعية، وهى ترمز إلى أفكار وطموحات يحاول الأديب أن يصل لها ويجسد أحوالها فى مراحل من التعبير والوعى التخطيطي، الذى لايقف عند المطابقة أو المباشرة بقدر ما يمنح النص والفكرة خيالا وفكرا رمزيا متعدد الاتجاهات، ويكون التأويل مختلفا وغير موجه توجيها نمطيا أو إصلاحيا مباشرا حتى لايفقد النص روعته وبيانه، ولايكون الأديب أوالشاعر محاكيا أومقلدا لتجارب وأفكار الأخرين وتكون شخصيته حاضرة .
ويمكن تحليل الفكرة التعبيرية الاجتماعية واتجاهاتها ودوافعها وأنماطها بواسطة تحليل النص والوصول إلى دلالات التعبير فى أركان التجربة الشعرية والأدبية عامة، وفى ضوء ذلك يمكن الوقوف على دوافع الكتابة فى الواقع عامة وفى رحلة الكاتب والشاعر خاصة، وتحديد ماهية العمل ودورته التعبيرية ومدى انطلاقه لتمثيل الحياة فى مراحلها المختلفة والعلاقة الوثيقة بين النص الأدبى والكون الخارجى .
وحتى يكون التحليل الفكرى الاجتماعى قائما على درجات من الوعى والمنطق يجب الوقوف عند الدلالة الفلسفية التى يتبناها الشاعر أوالكاتب والتى تتكون منها معالم شخصيته وهنا يمكن إجراء مقارنة فكرية بين واقعية الفكر الاجتماعى ومنطق الكاتب والشاعر فى تناول الظاهرة ومعالجتها وطرح زواياها بمفاهيم مختلفة تفسر قوة الشخصية ودرجة حضورها وكيفية استقبال الظاهرة وطرحها فى ثقافة ووعى يتطابق فكريا مع تأثيرها إيجابيا أو سلبيا أو الاتفاق معها أومخالفتها .
وهنا يمكن الحكم على النص والتجربة من منطقية التطابق الفكرى بين الظاهرة الاجتماعية ورصدها فى دلالات من الوعى الأدبى، تتجسد من خلال الصور الفنية والموضوعية التى تترجم حالات القوة والضعف بعيدا عن اللجوء لتفسير الشخصية وهى منعزلة عن الحياة التى تمثلها والتى ينوب عنها الشاعر والكاتب دائما فى حالات كثيرة، ويكون النص هو مظهرها والباعث على استلهام مفرداتها .
وغالبا ما تكون التيارات الفكرية والأدبية ناتجة عن هذا التقابل الفنى والموضوعى بين النص وبواعث التجربة ودوافعها والشاعر وبين الواقع الاجتماعى والبيئة التى تحتوى ذلك كله، وهنا يؤدى الأدب وظيفة إيجابية تنويرية بجانب وظيفته التاريخية وما يحققه من متعة فى التلقى، وأيا كان النص ونتائجه الاجتماعية فإنه يعد وثيقة إبداعية تمد الواقع بصور من التشكيل الفنى والنفسى، يمكن من خلالها استشراف الحياة التى نعيش فيها بكل دقائقها وقضاياها وأحوالها، ويمكن كذلك الوقوف على معالم البنية الاجتماعية وصدى التطور الإنسانى مقارنة مع المجتمعات الأخرى .

أضف تعليقاً