يدعوني صديقي، الذي لا يحبُّ الحديث في الهاتف، للسهر في وسط البلد، أقترح عليه أن نذهب إلى الحُسين، يوافق ويقول أنه سيمرُّ عليَّ بعد ساعتين، أخبره أني عند أختي من أمس ولستُ في منزلي، لذا سأنتظره في أول عباس، يقول ماشي ويغلق من غير أيِّ تحيةٍ، فأبتسم وأتذكر مشاكله العديدة مع حبيبته، التي صارت زوجته وأم ابنَيه، بسبب عدم رغبته في أن يحمل هاتفاً طوال فترة الخطوبة وحتى أول شهور الزواج، إلى أن أجبرته ذات ليلةٍ كنا نسهر فيها مع بعض الأصدقاء، وتأخَّرنا كالعادة، لنتفاجأ بها، ونحن نقوم بتوصيله، حيث كانت تنتظره أمام منزلهما وقد أعدَّت حقيبة ثيابها، وبطنها ممتدٌّ أمامها -كانت حاملاً- وغضبها أكبر من الليل ومن قدرتنا على ملاطفتها ومن الشارع الموحش في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل، فلفَّنا صمتٌ مطبقٌ وتقدَّم هو نحوها معتذراً، ولكنها رفعت كفَّها أمام وجهها المحتقن، فصمتَ مطئطئاً، قالت بعد لحظاتٍ أثقل من الموت:
“تطلقنى دلوقت يا إما تاخد الموبايل دا ومايفارقش إيدك أبداً؟”.
مدَّ يده وأخذه منها، زفرتْ، وبعد لحظاتٍ ليست أقلُّ ثقلاً من السابقة قالت:
“وتطلع دلوقت الشقة وتتصْل بي وتقول اتأخرتي ليه يا حبيبتي، أنتي فين يا حبيبتي، أنا قلقان عليكي جداً يا حبيبتي”.
حاولنا أن نتدخل قائلين:
“مساء الخير”.
وكأنها لم تلاحظ وجودنا قبل هذه اللحظة، قالت في حسم:
“امشوا أنتو”.
انطلقنا بالسيارة في ذهولٍ ألقى بنا في عاصفةٍ من الضحك، ما زالت تهبُّ علينا كلما تذكرنا.
“كانت أيام حلوة”.
قلتُها في سرِّي وقمتُ لأعدَّ نفسي، رفضت أختي وزوجها، وعدتُهما أن أعود بعد لقاء صديقي، أصرَّا أن أعتذر له، وحرَّضا عليَّ ابنتهما، التي راحت تتسلَّقني، وسط ضحكنا، لتستقرَّ فوق رأسي وهي تقول:
“هخبّي عينيك ولسانك عشان ماتتكلمش مع حد غيري، وما تشوفش الطريق”.