ابن أخي الصغير كان يقفز من أعلى السور إلى كومة الرمل أمام البيت، مستعرِضًا عضلاته أمام أقرانه. وعلى الرغم من أني زجرته مرارًا وتكرارًا، إلا أنه سرعان ما يعاوِد فعلته فور أن أختفي عن ناظريه. ونبّهت أمّه إلى خطورة ما يفعل فتضاحكتْ، وقالت: “بَعْدو صْغيرْ وحِرِكْ”. ثم كلمّتُ أخي بشأن كومة الرمل؛ لعلي أنزع المسبّب الرئيس لهذه المشكلة، فقال: “كلّْها يومين وينزلْ معلّم العمار”، قلتُ: “والولد”؟! قال: “سيبكْ منو، اللي بيوقع من السما بتتلقاه الأرض”!.
ووقع الولد من السما، يصيح دون حراك، وهرعتُ إليه وأمه تُوَلْوِلُ وتبكي: “ما حدا صابَكْ بالعين غير عمّك”! فجَحَرْتُها بنظرة مائلة، وقلتُ: أصابه من أهمله! ثم حملته بسيارتي وركبتْ أمه معه، ونحيبها يغطي على كل صوت، ثم تسكتُ قليلًا لتسأل الصغير: “مين شافك وانت تنطّ”؟ فيجيب: فلان، وفلان، وفلان، … .وحين يمرّ ذكر جارنا أبي صالح تقاطعه: “بَسْ. هو أبو عيون ما بتصلي على النبي. الله لا… “. وأخذت تدعو على الرجل بكل ويل وثبور، وأنا بين التوتّر والابتسام؛ فها أنا قد خرجتُ من دائرة الاتهام، وبَاءَ بها أبو صالح، سامحه الله!
عليكَ أن تخترع عدوًّا من الهباء؛ لتعلِّق عليه إشكالاتكَ ومشكلاتكَ، فترتاح من عذاب الضمير، وتنجو من تهمة التقصير والإهمال، وتتعالى على محاسبة نفسك، وتتهم الآخرين وتحشد عليهم خيلَكَ ورجلَكَ. فالعدوّ هو السبب في ما وصلنا إليه من تخلّف ورجعية وانحطاط! والعدوّ المخترَع كِذْبة نكذبّها ونصدّقها، ثم ندافع عنها.
إسرائيل، عدوّنا اللدود، كفتنا مؤونة أن نغرق في اختراع عدوٍّ؛ بل منحتنا الفرصة على طبق من ذهب! فما أن يصل بطل من الأبطال إلى كرسيّ الزعامة حتى يعلن أن إسرائيل هي سبب تخلّفنا، وأنها المعطّل لكلّ مشروعات التنمية، وأن الهدف الأسمى له هو تحرير فلسطين! وأما من يعارض ذلك فسوف يتّهم بالعمالة والتخوين، ثم يُغَضُّ ذِكْرُهُ مِنْ كلِّ محفَل.
وفي الحبّ حين يهجُر خِلٌّ خِلَّه، ويلتقيان لقاء الغرباء، يبحث كلٌّ منها عن عدوٍّ يخترعه، ليعلِّق عليه أسباب البِعاد، فإن لم يجدْ مضى كلٌّ إلى غايته، وقال: إنَّ الحظَّ ساء!.

أضف تعليقاً