في جانب هادئ من المنتزه العام، جلس على الأريكة الوحيدة الخالية. الزحام عادة شديد، ويزداد اكتظاظًا أيام العطلات. انهمك مؤلف الروايات الشاب في التهام شطيرة ساخنة، وحبك أحداث روايته الجديدة، بعيني صقر راح يرصد مَن حوله ويحلل شخصياتهم، ليختار منهم من يتناسب مع الأدوار.
هذا الرجل الذي يسحب قدمه اليسرى بعناء، ويمسك بإحكام مقود كلبٍ مخيف، سيجعله المحارب العائد من الجبهة بإصابة مزمنة، هذه الطفلة الجميلة التي تنثر ضحكاتها في الهواء كقطع الحلوى، ستكون ابنته التي يُنكبُ باختطافها، المرأة ذات الملامح القاسية على الأريكة المقابلة، تصلح لدور المجرمة الخاطفة، أما تلك المشغولة بطلاء أظافرها ومطالعة مرآتها، فهي الأم المستهترة الغافلة، وذاك الشاب الرياضي المفتولة عضلاته لا شك أنه البطل المنقذ، أما الشقراء الفاتنة التي تخالسه النظرات بإعجاب واضح، فتصلح لدور الحبيبة المتيمة.
بجواره حط رحاله كهلٌ يبدو على قسماته الألم، لا شك أنه يعاني من ضغط الحذاء الضيق، فقد تنهد بارتياح فور تحرير قدميه منه. نعم نعم، سيجعله المخبر الشاهد على حادث الاختطاف.
خلع نظارته بأناة، فرك يديه جزلًا، أطلق ابتسامة رائعة، ونهض مُسرعًا ليسكب أفكاره الثمينة على الورق، قبل أن تتبخر كالعادة إلى غير رجعة.
في الصباح تم استدعاؤه للتحقيق، وتحريز أوراقه، على أثر بلاغ من إحدى المواطنات، باختطاف طفلتها من المنتزه العام، قبيل غروب الأمس.
لدى تفريغ عدسات المراقبة، تبين قيام المرأة ذات الأظافر المطلية، بالتودد للطفلة المرحة، واستدراجها، حتى ركبت السيارة برفقة الشاب مفتول العضلات، أما الشقراء الفاتنة فقد طاردتهما بضراوة، ورغم محاولة الأعرج صاحب الكلب عرقلتها، وإفشال مهمتها، إلا أنها نجحت في التقاط رقم السيارة، وأعطته للأم ذات الملامح القاسية، التي تقدمت بالبلاغ.
أما الكهل صاحب الحذاء الضيق فقد كان هو نفسه المحقق الذي استدعاه في الصباح.
- اختطاف
- التعليقات