تدفَّق سيل عربات الإسعاف على مستشفى العزل تحمل كل منها مصابًا يعاني وبشدَّة من أعراض “فيروس كورونا” الفتَّاك الذي انتشر في دول العالم كانتشار النار في الهشيم ساخرًا رغم تفاهته من غرور المخلوق البشري الترابي بكل جبروته وسطوته وعلمه وتقدمه وتكنولوجياته وإلكترونياته وأقماره الاصطناعية وقواه النووية الهائلة.
هرع الأطباء وطاقم التمريض بزيهم الواقي الشبيه بزي رواد الفضاء كي يستقبلوا المرضى الوافدين. هالهم تأخر حالتهم الصحية وأنهم جميعًا في المراحل المتقدمة من الإصابة وقد وصلوا إلى ذروة الأعراض المميتة. تعجَّبوا لتنوعهم الاجتماعي والعمري فمن بينهم رجل الأعمال الباذخ الثراء ورجال من عامة الشعب والسياسي والموظف الكبير والصغير وعضو مجلس النُّواب وأطفال ورجال دين من المسلمين والمسيحيين ونجمة الرقص الشرقي الفاتنة ولاعب الكرة الأشهر والممثلة اللامعة وربَّة البيت والضابط الكبير وغيرهم.
قام الأطباء بالكشف الطبي عليهم وإجراء الإسعافات السريعة لهم وأخذ المسحات وعينات الدم اللازمة للتأكد من الإصابة بالفيروس الملعون إلا أنهم فوجئوا بالاحتياج الفوري لكل منهم إلى جهاز التنفس الاصطناعي للحفاظ على حياته. ارتجَّت مستشفى العزل بأكملها لهذا الخبر الصاعقة وعلى رأسها المدير والجهاز الطبي بأكمله حين اكتشفوا أنه يوجد بالمستشفى جهاز تنفس اصطناعي واحد لم يتم شغله اليوم حيث أن جميع الأجهزة قد تم شغلها جميعًا منذ الأمس بمرضى في حالات حرجة.
اتَّصل المدير بالجهات العليا للبحث عن أماكن بديلة لهم في المدينة أو المدن المجاورة فأخبروه باستحالة ذلك وأن عليه أن يدبر أموره. تباحث المدير مع جهازه الطبي للبحث عن مخرج للأزمة دون الوصول إلى نتيجة، انتقلوا إلى مكتبه وتشاوروا معًا سرًا في اختيار شخص واحد من الوافدين يكون له الحق في الفوز بجهاز التَّنفُّس للإبقاء على حياته وترك الاخرين لمصيرهم وقدرهم المحتوم، تحيَّروا بشدَّة ثم اختلفت آراؤهم وفشلوا فشلًا ذريعًا في التوافق وتحديد من الأحق في ذلك، تطور اختلافهم إلى صياح كاد أن يتحوَّل إلى تنازع فيما بينهم بسبب صعوبة موقفهم واضطرابهم النفسي نتيجة تحمُّل مسؤولية ذلك القرار الخطير وخشية لحظة الحساب يوم الوقوف أمام الله سبحانه.
خرج المدير ورجاله من مكتبه على صوت صخب وصياح وضجيج في عنبر العزل فإذ بتنازع أشد يحدث فيما بين المرضى بالرغم من حالتهم الصحية المتدهورة والذين شعروا بالمشكلة العويصة. راح كل مريض ينادي على المدير والأطباء صارخًا وسط لهاثه وسعاله الجاف وجسمه المرتعش المحموم بأحقيته في جهاز التنفس الاصطناعي ومهدِّدًا ومتوعِّدًا للجميع موضحًا أهميته للدولة والشعب ومبرزًا مكانته الاجتماعية العالية وأحقيته الكبرى في العيش دونًا عن سائر البشر. ارتفع الصخب والسُّباب عاليًا وتطورت الأمور إلى مشاحنات بين الجميع طارت خلالها الأقنعة الواقية والكمامات والنظَّارات الطبية من على الوجوه وفجأة خرس الجميع لحظة حدوث انفجار في جهاز التنفس الاصطناعي الوحيد.

أضف تعليقاً