ما بال شمس هذه القرية على شكل قرص أسود ؟ كأنها نقطة كيّ على جبين مجرم ارتكب سابقة لن يقترفها أحد من بني جنسه .. تصلني أشعتها السوداء فترتطم على أذني صمتا قاتلا و معديا لا علاقة له بالعين لا من قريب و لا من بعيد، لا يسكرني عصير الصمت الذي أحلبه منها ،و لا يحيلني إلى برزخ قريب أو لائح في الأفق ، و إنما يبشرني بغد أبشع، لذلك لن أضيع وقتي بعد اليوم ، سأنتظر ساعة الظهيرة ، لأخرج عليهم في كامل زينتي ، و سأكون أول من يلقي أشياءه،سأراهم و هم يصدرون أشتاتا من معابد صدورهم التي خبت فيها تلك الشعلة بعدما قتلوا أحد أشقائي الذين رضعوا معي حليب الرياح ، و الحقيقة أنهم لم يقتلوه و إنما شبه لهم، وحتى هذا الشبيه لم تمتد إليه أيديهم، و إنما أسلموه إلى كاهن المدينة ليعالجه من لدغة الأفعى ، ثم سكتوا عنه، و سكتُّ .. و لكن ها أنذا أتذكر العهد من جديد و لذلك سأتكلم.. بالكاد بدأت ملامحهم تظهر ، يميّزون بعضهم من خلال أنفاسهم و تنهيداتهم قبل قاماتهم النحيفة و الشّفّافة و ظلالهم الباهتة المتثاقلة التي تؤدي دورها و هي مكرهة و متكاسلة كأنما تساق إلى مستنقع الاعتراف، ها هم يبيعون و يشترون، يضحكون و يصرخون ، تصل حماسة السوق و حمى التفاوض إلى أوجهما ، تتطاير السلع ، و تنتقل الأموال كالأمواج بين الأيادي راضية أحيانا و مكرهة أحيانا أخرى ، هي لم تُستشر في اختيار عبيدها في سوق النخاسة .. هذه فرصتي ، لا بد أن أبدأ الآن :
ـ أيها الناس اسمعوا ، و لا تعوا ، مع أنه لا يهمني كثيرا إذا لم تسمعوا،فالمهم أن تعرفوا أنني موجود بينكم لأحرّك شفتي ، لا أريد منكم اعترافا و لا خبزا ، و لا أستحلفكم أن لا تسلموني إلى الكاهن،يكفي أن تعرفوا أن لي منبرا هنا بينكم ، لذلك سأبدأ في أمري هذا و أكملوا أشغالكم ، و أتموا يومكم هذا ..
لا بد أن أتقن عملي ، فأفراد منهم توقفوا ليستمعوا ، منهم من ترافقه زوجته ، المؤكد أنها هي من ترجّته للتّوقّف أو أمرته بذلك ، و منهم من نزل عند رغبة ابنته الصغيرة المدللة ، و أحدهم انتظر لأنه مع سائح أجنبي و يريد أن يريه شيئا جديدا و غريبا ليس موجودا في بلاده ، الأسباب لا تعنيني كثيرا ، فالمهم أن أجد من ينظر إليّ لأحس بأنني موجود ..
الوقت يمضي بسرعة ، أكملت مهمتي ، فتوّج عملي بالتصفيق،ترتفع معنوياتي ، ألقي نظرة إلى تلك الشمس ، فلا يتغير فيها شيء ، أعدت الكرة غدا ، و بعده ، يزداد التصفيق قوة ، و يبقى لون الشمس هو هو ..
بعد شهر بنوا لي محلا أمارس فيه مهمتي ، و صاروا يحضرون بكثرة ، ثم بعدها شرعوا في التعلّم مني و محاكاتي ، و مشاركتي ، و مع الأيام وجدتني أجلس لأتفرج ، لا يرضيني ما أتابعه ، و لكنه القطار ؛ لا يمكن لأحد إيقافه ، رغم أنني لا أريد إيقافه و إنما أموت لأضع حدا لصوت منبهه المزعج ، الإزعاج عمل مقدس يؤديه أصحابه عادة بمتعة خمرة الجمر و بإخلاص ينافس العبادة..
اليوم سأخرج لهم كتابي الذي لم أطّلعه عليه أنا شخصيا ،و الذي ورثته عن الفقيد الذي يدّعون أنهم أسلموه ، لقد انتهى ما في جعبتي، و سأشرع في تقديم الجديد معهم ، و برفقتهم ، إنهم أهل لكل خير ما داموا صبروا معي كل هذه الأشهر ،سأفاجئهم ، و سيفرحون كثيرا و سيشكرونني أكثر ، لقد بدأوا يتجمعون في المبنى ، يا إلهي! سحنتاهم متغيرة ، لكأنهم لا يعرفونني ، يحملون معهم كتابا أكبر من كتابي ،كتابا تنوء حروفه بالعصبة أولي الفطنة ، فيصيبني الخجل، فأجلس مع الجمهور الهائج هذا اليوم ، يقرأون و يقرأون، فأتضاءل مغمورا، لا أحد يهتم بي، فالناس يصفقون بهستيريا روحية ، يهتفون بحياة الكاهن ، و الكاهن يلهج بترديد اسمي بصوت منخفض ،ثم يهتف بحياتي ، فيصرخون باسمي ، و يشير إليّ ا فيصمت الجميع..يدعوني إلى الاقتراب منه ، أرافقه بأدب و يريني بأصبعه الشمس التي بدأت في الاصفرار ، و يخيّرني بين أن أبقى معه في المعبد لألتحق بالفقيد الذي أعرف أنا فقط بأنه شبيهه ، أو أن أخرج من القرية و أتنازل عن كل أعمالي ..أما أنا فقد انشغلت بالتفكير في أشقائي الذين سيمرون من هنا كي يتعرضوا لفتنة اصفرار الشمس ، و أنا أمضي قدما بدأ الضوء يتسرب من فوق تلك الجبال البعيدة ، فيكشف الوجوه ، و يظهر وجه الكاهن الذي هو لا أحد سوى شبيه الفقيد ..
- اصفرار
- التعليقات
