أنا أكره أبي .. نعم أكرهه من كل قلبي .. لا تقولوا لي ” إنكِ بنت عاقة ” لا ،لا يا سادة ، أرجوكم توقفوا ، لا تستعجلوا في الحكم علىّ ، سأخبركم لماذا أنا أكره أبي ..؟! .. ولماذا لا أحبه .؟!.. لكل فعل رد فعل يوازيه في القوة ويعاكسه في الاتجاه ، والاندفاع ، ولكل شيء سبب ، وإذا عُرف السبب بطل العجب ، وسأذكر لكم السبب .. أبي رجل فظ غليظ القلب، ليس عنده شفقة ولا رحمة ، ولا يحبني ، ومن أجل ذلك أنا لا أحبه أيضاً ، أنا أبادله كرهاً بكره ، فلا تقولوا أني بنت عاقة ، توقفوا لحظة ، توقفوا أرجوكم ،؟!!.. فهو عَقّني قبل أن أعقه ، تصوروا يفضل أولادة الذكور عليّ، بل أكثر من ذلك بكثير، كان لا يريدني أن آتي إلي هذه الحياة أصلاً ، كان يريدني ولداً، ولا يريدني بنتاً ، هو قال لي ذلك .. فهو يكره البنات ، وخلفة البنات ، وكثيراً ما كنت أسمع منه هذا، ويتعمد إيذائي، وإيلامُ مشاعري المرهفة ، ولا أستطيع أن أردّ عليه إلا بالكره ، وعدم الحب ، والتمرد عليه ، خاصة ، عندما كنت أغضبه ، وأعصي أوامره ، ولا أسمع كلامه ، ولا أُنفذ له أي طلب ، مهما كان هذا الطلب تافهاً ، وبسيطاً ، كإحضار الماء له ليشرب ، أو البحث عن حذاءه وتقريبه له ، أو البحث معه عن حافظة نقوده التي كثيراً ما يضعها في مكان ما وينساها، ولا يعرف مكانها ، وهاتفه ، وجواربه ، ومناديله ، أو حتى عندما يناديني ، أتصنع بأني نائمة ، أو منشغلة ومنهمكة في المذاكرة ، أو حتى بأني لم أسمعه ، حقيقةً أنا أسمعه ، ولكني لا أريد أن أردَّ عليه
كم من مرة أسمعه يردد ، جملته المشهورة التي أكاد أحفظها عن ظهر قلب ، والتي أكرهها ، وأكرهه معها ..
ــ يقطع البنات وخلفة البنات وسنين البنات أنا عارف لمَ لمْ تأتي ولداً .؟!!
أنا نمرة اثنين في أبنائه ، أخي يكبرني بأربعة أعوام ، أمي تأخرت في الإنجاب لأسباب خارجة عن إرادتها ، ذهبت لأكبر الأطباء في المدينة ، كلهم أكدوا لها من حتمية عملية جراحية ، حتى يمكنها بأن تحمل وتلد ، طبعا بعدما قاموا معها ، بتجريب كل الأدوية بدايةً ، وفي نفس الوقت لم يعدوها بشيء ، فقط قالوا لها ،
ــ ” سنعمل الذي علينا والباقي علي الله ”
أبي كان يتمنى ، ويريد عشرة من الأولاد كلهم ذكور ، فهو يحب الذكور دون الإناث ، أبي رجل سادي بامتياز ، في مجتمع ذكوري بطبعة ، يكره الإناث ، وأنا أكره هذا المجتمع العنصري، وأكره أبي أيضاً ، الذي هو واحد منهم ، والذي فكر بأن يتزوج بأخرى غير أمي ، لتنجب له الأولاد ، أمي الطيبة ، الجميلة ، الوديعة ، المغلوبة علي أمرها ، فهو دائماً يلقي اللوم عليها ، في كل شيء ، حتى في عدم الخلفة ، وكان دائم التشاجر مع أمي ، بسبب هذا الأمر ، ولكم باتت أمي ليالي طوال ، دمعتها علي خدها ، وهي تدعوا الله ليل نهار ، بأن يؤاخي لها ابنها الوحيد ، وحتى لا تفقد زوجها ، بتنفيذ تهديده لها بالزواج عليها بأخرى، حتى جاء موعد العملية ، وذهبت مع أمها العجوز ، لما تأخرت الدورة كالمعتاد عن ميعادها ، ذهبت إلي الطبيب الذي قد أعطاها دواءً من أجل أن تنزل دورتها الشهرية ، قبل إجراء العملية .. وكان المطر غزيراً في هذا اليوم ، وعند الطبيب كانت المفاجأة ..” أمي حامل ،، كيف حدث ذلك ..؟! ” .. الطبيب قال ..
” بأنها أرادة الله وقدرته .. وبأن الطب أحياناً يقف عاجزاً مكتوف الأيدي ، مدهوشاً أمام قدرة الله سبحانه وتعالى ” … ” يا بشرى أمي حامل “؟!!. الطبيب كان في حالة اندهاش أقرب إلي الذهول ، وهو يعيد الكشف عليها مرةً تلو المرة ” بالسونار ” ليتأكد من ذلك ، وهو غير مصدق ما يرى.! ، وكيف حدث هذا ..؟!.. ” أمي حامل بي ، حمل أسبوع فقط ” ، هكذا قال لها الطبيب ” .. بكت أمي من شدة الفرح ، نعم بكت وفرحت ، وجدتي كادت ان تزغرد، لولا أن أباها كان متوفى لم يتم الأربعين بعد ، وتهلل وجه الجميع ، وفي طريق العودة .. كانت أمي تحاول استيعاب ما حدث .. وترتب في رأسها أفكارها ، وتعد ما ستقوله لأبي ، وتتصور ردة فعله عندما يعرف بأنها حامل ، ووقع الخبر عليه ….
” قطعا سيفرح ، لا ، لا ، لن يصدق ذلك، وسيتهمني بأني أكذب عليه حتى لا يتزوج عليّ ، لا ، لا ، سأجعله يتأكد بنفسه ، فليتصل بالطبيب ، أو ليذهب هو بنفسه إليه ليتأكد منه ” …
وفجأة على صوتها دون أن تشعر ، وهي تُحدث نفسها بصوت مسموع ، لدرجة ألفتت انتباه المارين في الشارع ، فلما انتبهت، ولاحظت ذلك أدارت الحديث بصوت خافت في نفسها ، وهي تتخيل من جديد .. ماذا سيحدث ، وتتوقع ماذا سيفعل أبي عندما يعلم الخبر .. وراحت تقول في نفسها
” قطعا سيفرح فرحاً شديداً ، وربما يرقص عندما يسمع مني الخبر، هو فعلها في حملي الأول ، أحمدك يا رب ، وأشكر فضلك ، أخيراً حامل ، لعله يسكت ويُخرج من رأسه فكرة الزواج ، أو ينهيها نهائياً ”
تركتها أمها عند أقرب مكان ، بعدما ودعتها ، ونصحتها بأن تحافظ علي نفسها أولاً ، وعلي الذي في بطنها ، ونصحتها بأن تخف العمل في المنزل حتى يثبت الحمل ، وأمي تهزّ لها رأسها ، إيماءً منها بأنها ستفعل كل ذلك ، ثم طلبت منها ، تغيب وتأتي إليها،أو حتى ترسل لها إحدى أخواتها ، كي يساعدنها في عمل البيت،وانصرف كلا منهما في طريق، وإلي حال سبيله ورفعت أمي رأسها للسماء ، وقد هدأ المطر قليلاً ، وهي مازالت تحدث نفسها .. كيف تخبر أبي بالخبر ، وهي تسأل نفسها بنفسها ..
” هل سيصدق أبي هذا الخبر أم لا ..؟..!!
أبي في نفس اللحظة ، كان في البيت ، يحادث احد الأصدقاء عبر الهاتف ، عده بان يبحث له عن عروسة ، مناسبة ، وما أن سمع الخبر من أمي ، حتى ألقي بالهاتف من يده ، وأنهى المكالمة مع صديقه ، وبالفعل كما توقعت أمي ، لم يصدق أبي بأن أمي حامل ، حتى اتصل بالطبيب، بل وذهب معها في الإعادة ليتأكد بنفسه من الخبر ، ولما تأكد من ذلك فرح أيما فرح ، حتى تورد وجهه ، بل ورقص أيضاً من شدة الفرحة ، ومرت الأيام والأسابيع والشهور الأولى للحمل بطيئة جداً علي أبي الذي كان يحسبها باليوم والليلة وبالساعة والثانية ، وهو في غاية السعادة والفرح وأمي أيضاً لأنها ستحقق له ما يريد ، وما يحلم به ويتمناه ، فالابن الثاني في الطريق واسترجعا مقولة الطبيب حين قال لأبي في الحمل الأول .. ” ولسوف يعطيك ربك فترضى ” لدرجة أن أبي كان يساعد أمي في أعمال المنزل ، ولا يرهقها أو يشقّ عليها في شيء حتى جاء اليوم المشؤم ، الذي تمنيت إن لو لم آتي إلي هذه الحياة ، ذلك اليوم الذي اكتشف فيه أبي بأني بنت ، ولستُ ولداً كما كان يتمنى ، كاد عقل أبي أن يطير من رأسه ويجن ، ولم يصدق من هول الصدمة ما قاله الطبيب له ،
ــ بنوتة حلوة تتربي في عزك إن شاء الله تعالي ..
ــ ……
نظر إلي أمي التي نظرت إلي الأرض، ولم تستطع أن ترفع عيناها في عينيه ، وصمت الجميع برهة ، ثواني معدودة مرت ، كانت عصيبة علي، وأنا أنتظر فرحة أبي بي ، أو حتى كلمة شكر لله ، أو للطبيب الذي يُتابع الحمل مع أمي ، لكن للأسف الشديد لم ينطق بكلمة واحدة وكأنه أصابه الخرس ، بل غضب ، وكاد أن يتشاجر مع الطبيب ، وهو يقول له
ــ أنت لا تعرف شيء
وذهب إلي أكثر من طبيب ، لعل وعسى واحد غير الأول يؤكد له بأني ولد ولست بنت ، ويكذّب ما قاله الطبيب الأول
ــ ” بنوته حلوة تتربي في عزك ”
ولما تأكد أبي بأن ما في بطن أمي بنت ، وليست ولد ، انقلب حاله رأساً علي عقب ، وتحول لدرجة مئة وثمانون درجة ، وتغير مع أمي المسكينة التي لا حول لها ولا قوة ، فبعد أن كان سعيداً ، وفرحاناً ، أصبح حزيناً ومهموماً ، وبعد أن كان يساعد أمي تركها دون مساعدة ، وكان طويل الصمت ، قليل الكلام ، مغتماً ، أو مهموماً على طول الدوام ، وصار لا يطيق أحداً إمامه ، ولا حتى ذباب وجهه ، وراح ، يضرب أخماساً في أسداس غير مصدق، وهو يقلب كفيه ، غير مستوعب الحدث ، وعاد لما كان عليه مع أمي من شجار وخصام والبحث عن زوجة ثانية غير أمي ، بحجة واهية وموروث ثقافي مجتمعي عقيم ، بالي ، يجب أن يتغير ، مثل كثير من المفاهيم المنتشرة الخاطئة ، الذي أكل عليها الدهر وشرب ، فمن غير المعقول في القرن الواحد والعشرين ، أن يكون هناك مجتمعات وأناس يفكرون بهذا الفهم العقيم وهذا المنطق السقيم ، ” يعني إيه البنت غير الولد ، لا يا سادة البنت أحياناً تكون أفضل من الولد ، فالبنت هي المجتمع كله وليس نصفه كما يقولون ، فأن كانت هي نصف المجتمع فقد أنجبت النصف الأخر ، فحنانيَّكم أيها السادة ورفقاً بالقوارير ،
ــ عاوز أؤاخي الولد وأنا ولدي لا يعيش وحداني ، وأنت السبب ..؟
ــ أنا ليس لي ذنب ، ولست أنا السبب ..؟!!!
أنا لا أعيب علي أبي في الزواج من أخرى ، ولا أكرهه من أجل ذلك ، حاشا وكلا ، فهو من حقه شرعاً وعقلاً ومنطقاً بأن يتزوج ، وأنا لا أعيب عليه ذلك ، ولا أكرهه من أجل ذلك إطلاقاً ، أنا أعيب عليه واكرهه فقط من أجل أنه لا يحبني ، ويفاضل بيني وبين إخوتي ، في المعاملة ، وفي كل شيء ، وبأنه كان يتمنى أن أكون ولد ، ولست بنت ، مكسورة الجناح كما يقولون ،
وعادت أمي للبكاء ، والنحيب ، والعويل ، من جديد ، وعاد أبي للتهديد ، فهي لا حول لها ولا قوة ، وكنت كل ليلة أسمع نقارهما ، وعراكهما ، وأنا في بطن أمي ، ولكم تمنيت بأن أموت ليرتاح الجميع مني ، أو أن انتحر وأشنق نفسي بالحبل السري ، فأبي لا يريدني ، وأمي تريد أن تُرضي أبي ولكن حبي لامي جعلني أتشبث بالحياة ، وأنا أريد أن أُرضي الاثنين معاً ، حنانيك يا الله، وكانت هي إرادة الله، اقتضت حكمته بأن أكون بنتاً لا ولداً ، ولما جاء أمي المخاض ، وضربها الوجع ، وطَلْقُ الولادة ، أبي تركها تتألم وحدها ، بل لم يذهب معها إلي المشفى ، تركها وحدها تعاني الطلق وألم ، ووجع الولادة ، أنا أحبك يا أمي أكثر من أبي ، ليتك تعلمي كم أحبك وكم أنا سعيدة وفخورة بك يا أمي يا حبيبتي ، وأتمنى من الله بأن أكون بارةً بك مدي الحياة ، أما أبي الله يسامحه ، فأنا لا أحبه ، لأنه لا يحبني مثلما تحبيني أنت يا أمي ، فقط ، أحضر لها جدتي المسنة، العجوز المريضة بحجة أنهم لا يدعون الرجال يدخلون علي النساء في عنبر الولادة ، ثم تركهما وانصرف ، بعدما ترك لهم ما يحتاجون من المال ، وعاد مع أخي إلي البيت ، حتى اليوم الذي جاء فيه لزيارتنا في المشفى ، لم يصعد لنا في العنبر، اكتفى بأن يقبع في فناء المشفى ، كانت حالته مكتئبة ، ومنظره غريب، لحيته البيضاء طالت، وثيابه كانت غير لائقة ، ولا ملائمة لاستقبال أنثى مثلي ، حتى كلمة مبروك لأمي لم يقلها، ولا حتى حمداً لله علي السلامة ، ولم يحملني بين يديه ، ويقبلني كأي أبٍ يحمل ابنته بين يديه ، ويقبلها ، ويرحب بمقدمها للحياة ، حتى أنه تركني مع أمي في بيت جدتي ، لتتم أمي فترة النقاهة من النفاس ، إلي أن قررت أمي العودة إلي البيت ، دون أن يأتي أبي ليأخذنا ، ومرت أيام ، وشهور وسنوات كثيرة حاولت فيها أن أغير فهم أبي ، وعقليته القديمة ، وأفكاره المورثة ، العقيمة تجاه الأنثى ، ولكم حاولت أن أُثبت له بأن البنت مثل الولد ، وليست كِمالة عدد ، وربما تكون أحياناً ، البنت أفضل من الولد بكثير، أحياناً كنت أرى في عينيه الرضى والقبول ، والحب ليّ أيضاً ، وكان يفرح بي ، ساعات ، وكنت أشعر بذلك ، وأسعد له ، وأحياناً أراه يكرهني ، فكنت أكرهه أكثر من كرهه لي، حتى جاء يوم وعرفت فيه قيمة أبي ، وحبه الشديد لي ، ومكانتي عنده ، وحبي له الذي كنت دائما أحاول أن أخفيه، وبأن أبي يحبني كثيراً جداً ، مثل إخوتي الذكور، بل أكثر منهم جميعاً ، وذلك يوم مرضت فيه ، قَلِقَ عليّ أكثر من أمي ، التي كنت أحبها أكثر منه، وهو الذي حملني علي كتفه وجرى بي ، كالمجنون إلي الطبيب ، حتى أنه يومها لم يذق الزاد ، ولم ينم ، برغم أني كنت أعاني من احتقان في اللوز ، وكنت أشعر به من حين لأخر ، يأتي إلي غرفة نومي ليطمئن علي ، وعيناه ملئَ بالدموع ، حينها لمت نفسي كثيراً ، ووبختها ، كيف سمحت لي نفسي بأن أكره أبي ، ــ الطيب ، الحنون ، العطوف ــ كل هذا الكره ، وتكررت المواقف والأحداث التي جعلتني أحب أبي ، وأغير فكرتي تجاهه ، وندمت أشد الندم،على أني كنت أكرهه في يوم من الأيام ، وأنا الذي ظننت بأني يئست من أن أكسب قلبه ، وحبه لي ، ووده ، فكرهته من كل قلبي ،… لا ، لا يا سادة ، أنا ألان أحب أبي حباً شديداً ، ولا اكرهه مهما حدث ، وأعترف بأني ، قد كنت مخطئة حينما فكرت ، بأن أكره أبي ، في يوم من الأيام …
- اعترافات أنثي بريئة
- التعليقات