ربي … هذه أقنعتي فاقبل واحدا منها ترحمني به.
ربي لي وجه أواجه به الناس، فلا يرون مني إلا وجه رجل أدركته عاديات الحياة فألبسته رداء الشّيب، وحفرت على وجهه صروف النّوازل تجاعيد الزّمن المرير، وأحالت سمرته إلى أديم شاحب وكأنّه شنٌّ غسل مرات حتى حال لونه، وتكشّش جلده، فزال عنه وسمُ الشباب المعربِد، وانمحى عنه ما خطه قلم الفتوة المتهوِّر، وما لونته ريشة التّجارب الغضّة. فإذا هو اليوم في نظر هؤلاء، ومرآة ضميرهم، وجه شيخ وقورٍ، عابدٍ، عالمٍ، عرف كيف يحلب من الدّهر أشطره. وكيف يعتصر من الحادثات رحيقها. فرأت فيه الصلاح والفلاح. إنّها تشاهده مقبلا على بيوتك، مجتهدا في مواقيتك، متحدِّثا بفضلك ومنِّك. ووجه تراه أنت يا خالقي. فلا يخفى عنك منه وجه ولا قفا، ولا يغيب عنك منه حاضر ولا غائب. ترى فيه العيب صراحا، والذّنب جهارا، والخطأ فادحا. تراه يزلُّ فتذهب به السّقطات إلى دركاتها المظلمة، فيبلغ منها قاع الهاوية المدلهمِّ المخيفِ. يصلك منه أنينُه الخافت المستغيث، رجاء الخائف العائذ. فتمد إليه يد العون مرة وأخرى. وتسعفه بعد السّقطة والأخرى. تراه كلّما استقام في السّير، وجدّ في المسير، تعثرت قدماه وقد أدماها حجر الطريق، وآلمتها أشواك الدّروب. يغور وينجد، ويقترب ويباعد. له قلب المؤمن الذي يعرف قدرك وجلالك. ولكن فيه مضغة الهوى العابث الجريء التي تغتاله فتجندله، وتمرغ وجهه في التّراب. فيدرك أنّه قد أساء إلى نفسه قبل أن يسيء إليك. يذوق طعم الخيبة مرا يسري في دمه وعروقه، وكأنّها السّم الزُّعاف، الذي يُتلِفُ في خلاياه كلّ بارقة صفاء، ويطمس في عينيه كلّ نور استقامة. إنّه قناع ثقيل قُدّ من حديد صَدِئٍ، وأُطْرِق بمعاولَ من نار. لا يبشر بخير ولا يبعث على أمل. ثم أقنعة أخرى تتراكب فوق بعضها بألوانها وأشكالها تعبِّر هي الأخرى عن مراحل السّقوط والنهوض. وتكتب بألوانها وأشكالها ملاحم المعاناة التي يكابدها العقل والقلب.
أعلم يا ربي أن إيماني بك كبير، وأن حسن ظني بك يجرئني على الاعتراف بين يديك، اليوم قبل غد، حتى تسقط أقنعتي واحدا واحدا، فلم يعد بمستطاعي أن أحملها كلّها بعد اليوم. ولم يعد يُغريني منها ما يربطني بأنا القديم. كل ما أريده وجهُ شيخ عاث الدّهر في قسماته فأحاله إلى نص يُقرأ، واتعب التّحديقُ بصرَه فشغله القريب عن البعيد، وقربه الخطوُ من ميعاد ربه فقام إليه.
- اعتراف
- التعليقات